معاناة باحث عن وظيفة

وهو في الجامعة كان يرقب التخرج باشتياق  ــ  ويتطلع للمستقبل الذي رسمه لنفسه ــ وكان في سعادة لا يتصور حجمها كل من حوله . وهو يستلم شهادته الجامعية من راعي الحفل .. لكن المحسوبية قطعت الحماس عنده بضربه مقصلة.. وتكسرت على أبواب البيروقراطية إرادته وتطلعاته  وطموحه ــ والقوانين أفقدته ثقته بمن حوله وجففت أمامه منابع الفرح وأصبح كالطائر الذبيح يرفرف في مكانه يحاول أن يطير ..

………….

 

اعتزل الناس والأصحاب وكثيرا ما كان يسال نفسه هل يعقل أن تكون نهاية التعب والمشقة بين الكتب والكراسات والمحاضرات رقما في كشوفات الديوان ـــ هل يعقل أن يبقى الفساد هو المدير والشيطان هوا الضمير والفقير يفضل فقير وابن الوزير سيصبح وزير هل هذا معقول ….فيحتار.

…………

دخلت علية بعد طول غياب . فوجدته حزين محتار . فرح لرؤيتي . وبدء يبثني شكواه . شكوى مخزونة بداخلة منذ تخرجه ــ همس لي .. . بعد أن تلفت يمينا” وشمالا “. وكأنة لا يريد لأحد غيري أن يسمعه أو يراه .وأطلق حسرة من داخلة وقال : –

–   لقد تسكعت في الطرقات ودخلت كل المؤسسات . وقدمت بها طلبات. ولم اترك شارعا ولا زقاق . واعدت الكرة مرات ومرات .  وكنت على امتداد كل الوقت أراجع واسأل واستجدي فأغلقت بوجهي الأبواب .

وصمت لوهلة وتنهد ….

-آه …. يا صاحبي . كآني بنيت لي قصرا من وهم لم اسكنه ولا للحظات .

فجاه توقف عن الحديث المباح . وكأنة تذكر شئ . عاد واسترسل شكواه

–   لقد صحوت يوما متحمسا . ونسمات الصباح رطبة حنونة . والطريق أمامي ممتد وواسع . والإشارات كلها خضراء . وتوقفت في العاصمة عند إحدى الوزارات … فتوجهت إلى مكتب المسؤل عن الطلبات . فطرقت الباب . ثم دخلت . تفاجئ بدخولي . ولم تعجبه المفاجئة . فصاح بوجهي وأنبني وأهانني ولوى شفتيه قرفا” وسخطا” منى وهو يحدثني . وطلب مني الخروج من مكتبة .. بحجة عدم وجود موعد مسبق , احمر وجهي وذبت خجلا وكم تمنيت الأرض تنشق وتبتلعني . وكان لابد لي من أن افعل شيا أخر غير الدهشة والاستغراب . فوضعت الابتسامة الدبلوماسية على شفتي وقلت له :-

–   والله يا سيدي إني أحاول أن ابكي ولكن دمعتي تأبى إلا أن تحبس في مقلتي وترفض الخروج رغم حاجتي . والحق إني نجيب ولستم بنجبي . وخرجت وكان هو خروجي الأخير.ولم أعاود البحث عن هذا الكنز الذي يسمى وظيفة .

******

لقد بثني أشياء أشعلت في داخلي غضب موصول بالشفقة وسمعت منة كلمات قلبت تاريخي وجعلتني أكاد ابكي للحظات . وبقيت منصت له واستمع حتى افرغ الشحنة التي بداخلة .

إن حلمة بسيط إن يحصل على وظيفة كم هو مسكين وحضه عاثر . لقد تبعثرت احلامة الوردية . وفارقته الابتسامة . لقد صدمه الواقع المرير وأحلامه أصبحت سراب .

صدفة جاءت مني نظرة مفاجئة إلى ساعة الحائط المعلقة بغرفته وإلا هي تقارب على منتصف الليل . لقد سرقني الوقت . فاستأذنت منة وخرجت . لكني قررت بداخلي مساعدته والبحث معه عن هذا الكنز المفقود كما يحلو له أن يسميه ….

******

مرة أيام على لقائنا . عملت بها جاهدا . بل جندت لهذا الغرض عدد كبير من الأصدقاء وتوسلت لأحد أقاربي ليساعدني فتكرم وسلمني ورقة فيها توصية منه لأحد المسئولين بإحدى الجامعات حيث أنهم يطلبون أمين مكتبة .

فرحت . ودعوت الله أن تكون هذه الوظيفة من حضه ونصيبه – لعلها تنسيه التجربة القاسية التي مر بها. وتخبره بان الدنيا ما زال بها الخيريين وإنها لا تخلو من لمسة حنان ومن صديق وفي و مسئول شريف . وتعيد له ثقته بنفسه وتبعد عنه شبح البطالة واليأس .

إن تخصصه العلمي لا ينطبق مع شروط هذه الوظيفة . لكن هاهم أناس كثر اقل منة تعليم ووعى وذكاء يتقلدون مناصب عليا وبعيده كل البعد عن تخصصاتهم عن طريق التلاعب والاحتيال (على طريقة راسبوتين) فلماذا هو لا ؟

******

 

وفي الليل . زرته في غرفته التي سجن نفسه بها طوعا . وسلمته ورقة التوصية . وبالها من فرحة غمرته واسعدتة . فمضت ساعتان وأنا في زيارته وكل حديثة هل سيقبلونني بهذه الوظيفة بعد مرور كل هذه السنين ؟ هل أنت متأكد من العنوان ؟ هل . هل. هل… كأنة يشك في هذا وأنا لا الومة . فطمأنته واستأذنت بالخروج على أمل اللقاء بة غدا بعد استلامه للوظيفة .

*****

وفي الليل لليوم التالي .قررت زيارته . وأحضرت معي نوع من الحلوى تعبيرا عن فرحتي بحصوله على الوظيفة . وبالها من مفاجئة وصدمة صدمت بها .

لقد وجدته راقدا بالفراش . وتجلس بقربة والدته العجوز . تضع له الضمادات فحرارته مرتفعة وجسمه منهك وملئ بالرضوض والسحجات . فتلعثمت بالكلام فسؤالاتي  تتقاطر فلم استطع تجميعها فبادرت والدته وأراحتني من أن اسأل . واستلت اهه من صدرها وهى تقول :- لا تخف إن صديقك بخير . وروت لي ما حصل معه وقالت :-

–   لقد استيقظ باكرا وحلق ذقنه ولبس أحسن ما عنده وذهب للتقدم للوظيفة . وبعد دخوله الحرم الجامعي . وجدهم يتظاهرون  ويحرقون ويتلفون كل شئ والحجارة تتساقط من كل حدب وصوب . فهرول مسرعا ليبتعد عن هذه الفوضى . فحاول الدخول إلى مكاتب الموظفين فأغلقوها خوفا عليها من النهب والسرقة, وكالعادة البوليس يطارد ألطلبه بالعصي الغليظة ويطلق الرصاص في الهواء كما يطلق قنابل تذرف الدموع . والطلبة يقومون بقذف البوليس بالحجارة , وقد تمكن بعضهم من الانفراد بأحد عساكر البوليس فالقوه أرضا” وانهالوا عليه ضربا”وصديقك حائر لايدرى كيف يخلص نفسه من هذه الورطه . فدخل في نفق للمشاه خارج أسوار الحرم الجامعي . وإلا بخمسة شبان سكارى انقضوا علية وأوسعوه ضربا  وقام احدهم رافعا” عصاه لينهال بها فوق رأسه شقت رأسه ونزف منها الدم وسقط واقعا” على الأرض وعاجله أخر بعصاه فوق ظهره ..وسرقوا منة جميع ما يملك من نقود .وانصرفوا عنه وتركوه ينزف وقد رفع يده يضغط على رأسه المشقوق كأنه يحاول أن يحتفظ بدمه المنهار قبل أن يفرغه كله. حتى جاء اثنان من ألطلبه يهربون من عصا البوليس فوجداه بهذه الحال فرفعاه عن الأرض … واحدهما يقول للأخر ــ انه لايزال حيا” .. ولم تكن ألضربه قد أفقدته الوعي ولكن الدماء تنزف من رأسه وتجرى فوق وجهه كما كان يحس بألم ألضربه التي سقطت على ظهره .. يحس كان عظامه قد تفتتت, وقد استطاع أن يقاوم ويقف مستندا” على أكتاف التلاميذ وساروا به وأوصلوه إلى عيادة قريبه . وقام الطبيب  بمهمته وقال بعد إن كشف على رأسه  بسبطه لا أكثر من غرزتين وبداء يغرز الخيط في رأسه …حتى انتهى لف رأسه بالشاش ورفض اخذ الأتعاب  , وإلا بأحد ضباط المخابرات يدخل عليهم العيادة ــ  لقد تم الإبلاغ  عنه من قبل الطبيب ـ  قال له  الضابط فورا” لعلك تعلم بما يعده زملائك ألطلبه للقيام به صباح الغد ـ  أجاب  في هدوء وبصوت منخفض:ـ لا اعلم شيئا” ـ وقال الضابط وهو يبتسم ابتسامه تقطر بالسخط  . سواء كنت تعلم أو لا تعلم عليك أن تتصل بهم وتقنعهم بالعدول عن القيام بالمظاهره التي ينوون القيام بها غدا” ـ فرد عليه وهو محتفظ بهدوئه  ــ  أنا لم اشترك في اى مظاهره ولا اعرف أحدا” من الذين يتظاهرون فقال الضابط   في حده وهو يصرخ بوجهه أنا لا أرجوك ولكني أمرك وأحذرك فنحن نعتبرك احد المسئولين عن كل ما يجرى في ألجامعه , وابتعد عنها الضابط ــ  وظل صديقك محتفظا” بهدوئه  وبداء يحدث نفسه وعادت به ذاكرته إلى الخلف ـ إلى ألسنه النهائية في ألجامعه عندما كان يجلس في البوفيه مع أصدقائه .وكانوا يتناقشون  . وكان بينهم احد التلاميذ يجادله و يتحداه بحقد حين كان النقاش عن ارتفاع الأسعار  وكان يقول لأصدقائه من أن كل ما تتخذه الحكومة عياره عن تطمينات وإجراءات مظهريه لا تغير من الواقع بشيء .. تقيم مظاهر ديمقراطيه ويحكمها واقع ديكتانورى .. وتقيم  مظاهر انقاذ اقتصادي وتسودها وتتولاها نفس العقليات التي فرضت واقع الإفلاس الاقتصادي وترفع الأجور والمرتبات حتى يفرح الفرد بان يمسك في يده مائه دينار  بدلا” من خمسين … وفي الوقت نفسه ترفع الأسعار من خمسين إلى مائه وعشرين .. كأنها كلما رفعت من مظهر ارتفاع الدخل الفردي رفعت من واقع استنزاف هذا الدخل .. اى أن الفرد الفقير كلما ارتفع دخله ازداد فقرا” …. فرد عليه هذا الحاقد وقال له :ـ اعتقد انه في بلدنا لم يعد فقراء .. إن المجتمع كله أصبح له شكل جديد .. لم نعد نرى نفس الفوارق ألطبيعيه التي نسمع أنها كانت  قائمه أيام زمان .. وان العامل أو الفلاح أصبح كأبناء الأغنياء يرتدى بنطلونا”من الجينز,  ويأكل السندوتش ,والبيتزا,  ويشرب الكوكا كولا … فصمت صديقك عن نقاش هذا الحاقد وها هو حقده بان ألان  . انه نفس الطالب الذي حاوره انه لم يكن طالبا” بل كان مدسوسا” بين ألطلبه انه من أفراد المخابرات وها هو يعود بعد سنين طويله ليخبره بأنه هو المحرك لهذه المظاهرات  .. إن اتهامهم له زاد من همه وشقائه   ..

******

مسكينة هذه العجوز لقد سردت علي القصة كاملة وهى متماسكة وما أن انتهت حتى بكت وناحت ولم اعد قادرا على التفكير . هل اعتذر؟ لقد انتابني شعور بأن الذنب ذنبي . وراودني إحساس كبير بأنني كنت السبب بوقوع هذه الكارثة فانا كمن أراد أن يكحلها فعماها . لقد أحست كثيرا بتأنيب الضمير .

أصبحت أتردد على زيارته يوميا لأطمئن على حالته .

******

أيام مرت وهو لم يعرف طعم النوم ولم تخمد في قلبه خفقات الخوف والألم . ووالدته  العجوز تسهر على شفائه وتراعيه … تناوله الدواء وتغذية وتحنو علية . وتدعو الله أن يشفيه ويبقيه … فهي الأخرى لم تعرف طعما” للنوم ولا لذة” للنهار .

*****

طالت رقدته في الفراش .  فوجدت انه أصبح لزاما” علي أن اكفر عن ذنبي  الذي اقترفته عن دون قصد وان اعرضه على طبيب . فأحضرت قريبي وهو طيب إلى منزله بعد إن استأذنت من والدته .. وبعد عمل الكشف اللازم وإجراء التحاليل التي استغرقت أيام . اخبرنا الطبيب  أن مرضه نفسي وهو بحاجه إلى مراقبه دائمة حتى لا يؤذى نفسه . 

 

……      

تحملت هذه المهمة والدته العجوز .. ولكن وفي غمرة الشعور بالتعب والإرهاق وقلة النوم أطبقت العجوز جفناها للحظات فتسلل هو  وبعيدا” عن الأنظار … حاول الانتحار , بأقراص النافتلين . فأذابها بكوب  ماء  فإصابته بدوار . خاف . وخارت  شجاعته وارتجفت يداه . وفشل في الانتحار …..

بهذه الأثناء استيقظت والدته قبل الفجر ولمحت الساعة تشير إلى الرابعة . نظرت حولها لم تجده . بحثت عنه . فوجدته قد حاول الانتحار . أمسكت به وبكت . وتأسفت على هذه اللحظات التي أغمضت بها جفنيها . فهمس لها وقال :ـ

ــ  لاتتأسفي أماه فمن أشقاه ربه كيف أنتي تسعديه .

 وبغضب احضر شهادته الجامعية فاحرقها . أكلت النار تعب وسهر وعرق السنين . الذي تحول شيئا” فشيئا” إلى حاله مرضيه .

…….. 

وفي الصباح .. وبعد شروق الشمس . فتح المذياع . صوت ماجدة الرومي يشدوا بقصيدة . كلمات . وتقول :ــيُسمعني.. حـينَ يراقصُني

كلماتٍ ليست كالكلمات وقف أمام المرآة يتحسر على شبابه الذي ولي وعلى عمره الذي ذهب . تأمل وجهه الذي بانت فيه بعض التجاعيد . وتأمل الشعيرات البيضاء التي تسللت فملأت مفارق رأسه . تأمل قامته التي ظهر بها تقوس خفيف عند الظهر .. تأمل نفسه كما يفعل باستمرار وابتسم ابتسامه حزينه مسكينه وتذكر والده المرحوم ـ إن أباه هو الذي كون فيه هذه الشخصيه ـ كان أبوه موظفا” تافها” لم يتم تعليمه ولا يحمل شهاده  ـ كان مجرد خادم أو فراش / مراسل يقدم للموظفين الشاي والقوه ويلمع وينظف لهم مكاتبهم كان فقيرا” ـ ورغم ما كان يعانيه من فقر إلا انه كان لديه هدفا” واحدا” وهو أن يتم ابنه تعليمه الجامعي .  وان يدخل  ألجامعه التي لم يدخلها هو . .فصمت لوهله … ثم عاودته الأفكار ألمحزنه .. والتساؤلات تطرح نفسها عليه وبإصرار …

 

 

ــ لماذا هو يفشل بينما ينجح الآخرون ؟ لماذا هو حزين بينما يفرح الآخرون ؟ لماذا سوء الحظ  وهو متلازمان ؟

يبحث عن الإجابات لاشيء منها يشفي غليله

فيقول :ـ ربما هي الأقدار …

جرس الهاتف يرن ويقطع عليه حبل الأفكار … صوت امرأة ــ الو ـ السيد فلان ـ

ــ نعم

ــ أنا من ديوان الخدمة المدنية ـ لقد تم تعيينك …….قاطعها .. أنا

ــ نعم الست أنت فلان

    عامت سحابه صفراء على وجهه . وارتجفت جميع مفاصله وارتبط لسانه . فلم يجب على نداء المرأة . وبقيت تنادى ــ الو ــ الو ــ ـ هل تسمعني ــ أليس هذا هو  هاتف فلان ــ لا احد يجيب ــ أغلقت سماعة الهاتف .

الدمع في عينيه اختلط مزيجا” بين الحزن والفرح ـ لم يحتمل ألفرحه التي انتظرها طويلا” ــ فأصابته جلطه . شلت يده اليسرى مع قدمه ــ وأثقلت لسانه ادخل على إثرها  للمستشفى  وعند خروجه .. خرج على كرسي متحرك ..

حين رأته والدته بهذا الشكل تكسرت أمامها كل الآمال .. ومات حلمها بان ترى ولدها الوحيد يرتقي أعلى الوظائف وأصابتها حسره لازمتها طيلة العمر ….

مسكينة هذه الأم . كانت مصيبتها بالفقر واحده .. فجار عليها الدهر بمرض ولدها فأثناها ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s