غلطة الاباء تكبر مع الزمن وتحطم الابناء

إن خلقه الطيب , وهـدوءه , وصفاء عينيه ,لم تشفع له, ليكون قريب من قلوب المدرسين والتلاميذ ــ فاشتهر بينهم منذ الأيام الأولى بالغبي الكسلان الفاشل ــ وذلك لعدم قدرته القراءة والكتابة . ولمعاناته من صعوبات في التعلم
إنني حين أتذكر ذلك الغلام الذي تفننت في إيذائه الأقدار ــ تنتابني حسره عليه
لقد كان والداه غريبا الأطوار .. فأبيه منذ أنجبه كانت فرحته به محصورة بأنه أنجب ابنا” ذكرا” لن يعاني الفقر والحرمان الذي عاشه هو … لقد كان مغرورا”.. ومشهورا” .. وله مركزه بين التجار … شديد العناد .. وكثير المديح بنفسه والتحدث عن ذكائه … كان يقول في مواقف عده عند نجاحه في الحصول على إحدى الصفقات التجارية … إن رأسه هذا ليس كرؤوس باقي البشر.
أما والدته فكثيرا” ما كانت تصب جام غضبها عليه حين تراه يمسك قلم الرصاص ويبداء الخربشة على الجدران وتقول له مؤنبه وبريق يلمع في عينيها:ــ
ـــ يا غبي . يا فا شل انك تلطخ الجدران بهذه الخربشات وهذا يشوه منظرها.
إنها لم تحاول أن تسال نفسها مجرد سؤال …
ـــ لماذا هو يلطخ الجدران بهذه الخربشات .؟ لماذا هو بطيء الاستيعاب ولا يستطيع القراءة والكتابة .؟
لكن شيء واحد فقط في داخل عقلها ومخيلتها … هو إن ابنها غبي وفاشل…
لكنها لو بحثت في الإجابات …لوجدت…. إنها لم تبذل اى جهد من ناحية تربية هذا الابن وصقل موهبته وتكوين شخصيته بل تركت ذلك لوالدتها العجوز .. وألغت مسئوليتها عنه ــ ولم تعطيه من عطفها وحنانها ما كان يحتاج إليه ..
فكل ما كان يحتاجه هذا الطفل تقوم جدته بتوفيره له … وكل إسراره وتفاصيل حياته مع جدته وليس مع أمه ولا مع أبيه …. وهي التي كانت تزوده بكل الكلمات والصور التي تربي بها عقله وكانت هي المسؤوله عن رعايته وتربيته وتنمية شخصيته لجدته
لكنها في الحقيقة . لم تكن تربي فيه شيء. كانت جاريه له فقط تنفذ طلباته.. أنها كانت تعوضه ولو قليلا” عن حنان أمه وأبيه ..إلى أن جاء الموت وخطفها منه .. .. وكان حزنه عليها شديد.. فهو لم يحس بحنان غير حنانها…
لقد ماتت من كانت تعوضه عن حنان أمه وأبيه..فعاف الطعام .. وعزف عن اللعب مع الصغار … وأصبح لزاما” على والداه البحث له عن بديل ليحل محلهما ويعتني بطفلهما بعد وفاة ألجده ..
فجاء الحل على لسان مدير ألمدرسه الذي أوصى مرارا” وتكرارا” بإرسال هذا الابن إلى مدرسه خاصة داخليه مهمتها الاعتناء بالطلاب الذين يعانون من صعوبات في التعلم ..هذا الحل أراح الأم والأب .. لكنه سبب صدمه عنيفة لهذا الابن الذي بداء فكره يشرد بهذه ألمدرسه . انه لم يجر في نفسه من الذعر ما جرى له هذا اليوم خوفا” من الغد …
وفي صباح اليوم التالي.. أعلن الابن التمرد والعصيان على أوامر أمه وأبيه ورفض الدخول لهذه ألمدرسه التي تبعد عن مكان سكنهم 150 كيلو مترا” .. وبداء يتوسل لعله يستدر عطف أمه و أبيه .. كانت جوارحه كلها تبكي . .. فلم تفلح توسلاته ولا بكائه…
فاستسلم لرغبتهم ودخل إلى فناء ألمدرسه .. وتحملت إدارة هذه ألمدرسه مسئوليته وألغيا مسئولية والداه عنه
لكنه بداء بداخله يتألم ويلعن أمه وأبيه.. إن ألمه نابع من إحساسه بأنه لابد من أن يعلم والداه إن في الحياة أمورا” ومجالات أخرى للنجاح غير القراءة والكتابة…
فربما هو ينجح في شيء ما من هذه المجالات … دارت برأسه الخواطر وتنهد .. وتمنى بتلك اللحظة لو كان بيديه اختيار أمه وأبيه .. لربما اختار غيرهم…..
مرت أشهر بسرائها وضرائها وانزوائه بهذه ألمدرسه .. لم يراعي بها مدرسيه خصوصيته . ولم يتمكنوا خلالها من كسب مودته .. ولا احد منهم استطاع أن يكتشف السر الكامن وراء شخصيته …
فكون فكره عن هذه المدرسة إنها معسكرات غير لطيفة .. فضجر منها … وكان يتمنى أن يمرض ويشتد به المرض .. ليرى وجه أمه وأبيه يتدفقان عليه بالحنان ولو لمرة ..لعلهم يعيدانه إلى البيت…
لكن موقفه هذا ما لبث إن تغير بعد انقضاء العام الأول من حياته في المدرسة الداخلية ـــ فقد أدى الامتحان النهائي …
وهاهو بانتظار النتيجة ..كان خائفا” مذعورا” من عقاب والديه ومن السنة التلاميذ والمدرسين التي لا ترحم إن رسب … سيتنصل مدرسيه من كل مسئوليه ويقولوا .. الم نقل لك .. وستصرخ أمه في وجهه هاتفه :ـ الم اقل لك…وسيكبر ويحوقل والده وهو يضرب كفا” بكف . وهو غاضب ويقول :ـ الم اقل لك..
المصيبة العظمى هي أن يدعي الجميع أنهم قالوا له والحقيقة هي أن لا احد منهم كان يهتم به
آه ةةةةةةة…..ما أجملها فرحة النجاح …… لقــــــــــــــــــــــــــد نجــــــــــــــــــح…كانت فرحته عظيمه جدا” بهذا النجاح ..
ــــ أما والدته فقد أقسمت بعد سماعها الخبر إنها كانت تعلم خبر نجاحه من قلبها الحساس
ــــ أما والده فقد تجهم وجهه ولم تعجبه النتيجة حين اطلع على كشف علاماته ورآه حاصل على العلامات الصغرى من النجاح فقال له:ــ
ــــ إن نجاحك هذا كان قضاء” وقدرا
وفي ألسنه ألثانيه لوجوده بالمدرسة الداخلية … قال له معلم الرسم :ـ
ــ أنت موهوب وربما ستكون ذات يوم فنان..إن كلام مدرس الرسم.. أعطاه بصيص من الأمل
.. وبداء يرسم على اللوحات بدل الجدران واستبدل قلم الرصاص بالألوان وأصبح يشارك في المعارض المدرسية ونال جوائز تقديريه …وأهمها الإعلان عن فوزه بالجائزة الأولى لأجمل لوحه لرسومات الأطفال تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة .. حينها , انتفض من هول المفاجأة … وسالت دموعه مدرارا”.. وذاع الخبر .. وكتبت عنه الصحف والمجلات المهتمة ..
لقد كان لديه شعور بأنه لابد أن ينجح في شيء ما حتى يثبت لامه وأبيه انه هو ايظا” يحمل رأسا” إن لم يكن جد ذكي فانه ليس من الأغبياء… فسمع والداه الخبر .. ووقفا غير مصدقان .. إنهم لم يكونا يدركان السر الكامن وراء حبه للألوان والخربشة على الجدران .. حتى كادا إن يطمسا موهبته
بعد مرور أسبوع على استلامه الجائزة …. وإلا بمدرس الرسم يطلب منه تجهيز ملابسه وكتبه للذهاب إلى البيت مع عائلته فها هم أمه وأبيه بالا داره ينتظرانه… فرح في البداية . ثم مالبث أن تذكر ماضيه الأليم حينما توسل لامه وأبيه ..وتذكر حين تركوه يعاني, ويعيش في غربه , يبحث عن صدر وعقل وقلب إنسان يشاركه أفراحه ويستمع لشكواه.. فاختلط عليه الفرح مع الحزن فهمس مع نفسه ـ لا ..لن اذهب معهم..
وأخذ يفكر بطريقه للتخلص بها من الذهاب مع أمه وآبيه , ليعذبهم كما عذباه ,
لقد تأخر عن الحضور .. فذهب مدرس الرسم لاستعجاله…فلم يجده .. سئل عنه ألطلبه لم يلحظه احد .. بحث عنه في كل مكان يمكن أن يخطر على بال احد فلم يجده
تأخر الوقت .. الساعة تشير الآن إلى منتصف الليل .. لم يحظر بعد … الجميع يبحث عنه من طلاب وهيئة تدريس .. ولم يعثروا عليه … فقال احد التلامذة.. لقد اختطفته إحدى العصابات للاستفادة من موهبته في الرسم لتزوير العملة … وأخر حاقد قال :ـ انه غبي ربما أضاع مكانه … الجميع يجتهد ويتنباء بمكان وجودة.. وعقارب الساعة تسير .. وهاهي تشير إلى قرب الفجر .. الليل ينقشع …وأشعة الشمس تدلي بخيوطها .. ها هو نهار جديد يشرق
الجميع أنظارهم تحولت نحو الباب الرئيسي للسكن .. ها هم يشاهدون سيارة البلدية ( الكابسة)تدخل من البوابة الرئيسية لنقل النفايات من الحاويات .. وما هي إلا لحظات ….حتى سمع الجميع صراخ قادم من داخل الحاوية
لكن يا خسارة لقد سبق السيف العذل . لقد تكسر عظمه واختلط لحمه مع النفايات وسالت دمائه البريئة داخل هذه ألكابسه. لم يخطر على بال احد أن يكون مختبئ داخل حاوية النفايات حتى لا يذهب مع أمه وأبيه ..
فغلب عليه النعاس بعد ليله طويلة وهو مختبئ ….فنام وكانت هي نومته الاخيره,
فصاح والده ساخطا” على نفسه .. وعادت به الذاكرة عندما كان كل همه هو نجاحه بعقد الصفقات وكسب الدولارات ونسي إن لابنه حقا” عليه
مسكين هذا الابن لقد ذهب ضحية أم وأب مغروران بأنفسهما .. عاشا ليحققا أحلامهما الكبيرة حتى وان كان ذلك سيكلفهم تنازلا” عن بعض الأمور … فتنازلا عن فلذة كبدهم.. إنهما ألان نادمان .. لكنة جاء ندما” متأخرا” .. لن يفيد … وكأن لسان حال ابنهم يقول :ـ
هذا جناه علي أبي وما جنيت على احد ـــ والآباء يأكلون الحصرم والأبنــــــــــــاء يضر سون…

Advertisements