الربيع العربي

الربيع العربي ……

ياأهل طوخ انتم لطوخ وطوخ” لكم ….. يحكى ان ملكا” لأحد الممالك البعيده . وتسمى مملكة طوخ . كان مستبدا” ظالما” . استعبد الناس والعباد . وأذلهم حتى سلبهم حواسهم ومشاعرهم . وظلهم عن السبيل . واعمى عيونهم عن الحق . فحسبوا الخير شرا” . والشر خيرا” . واختلط عليهم الامر . فلم يعودوا يميزوا بين المكارم والجرائم . وبين المكارم والحقوق . ولم يعودوا يشعروا بمرارة هذا الذل . حتى خرج من بينهم شابا” شجاعا” متحمسا” يدعى صالح العطشان . وكان فقيرا” معدما” . ساخطا” على الفقر الذى يعيش فيه . ويحلم بأن يصبح ذات يوم غنيا” .
فقرر ان يمارس لعبة السياسه .. ليس حبا” في السياسه .. ولكن حبا” في تحقيق حلمه .. فأخذ يحرض الناس بالثوره على الملك .. حتى هاج الشعب هياج الامواج الثائره على السفن الماخره ..
وخرجوا ككتله واحده من البشر تتحرك نحو قصر الملك .. وكان العطشان على رأسهم يسير في الصف الاول .. وتجمعوا امام قصر الملك يلعنون ويسبون .. وكان لابد للملك من ان يستشير مستشاريه بهذا الامر . فأستشار احد المقربين منه وكان شيخا” جليلا” . ومتحدث لبق . وخطيب هادىء واثق من نفسه دائما” الى حد انه كان يعلم مقدما” ما سينتهي اليه كلامه .. فأشار اليه الشيخ الجليل بأحد أمرين . اما الخروج الى الشعب والتحدث اليهم وامتصاص غضبهم وهذا هو الحل الاسلم .. واما الانزواء داخل القصر وقمع هذه المظاهره بالقوه . وهي تجربه فاشله كونه ما استطاع أي من الزعماء يوما” ان يسكت ثائرة الثائرين بهذه الطريقه .
اقتنع الملك بكلام مستشاره الشيخ الجليل .. وطل على الشعب من شرفة قصره . وخطب بالحشود المتجمهره وقال :ــ
ــ ايها القوم ـ كأني أراكم قد كرهتم النهضه الحديثه التي نهضتها المملكه في عهدها الاخير . وان اناس” منكم اخذوا على عاتقهم التغرير بكم حسدا” منهم على نعمة الامن والاستقرار اللذان تنعمان بها .
ايها الشعب ـ ان نهوض هذه الدوله هو نهوضكم وسقوطها سقوطكم وسعادتها هي سعادتكم . أنظروا حولكم. وسترون معالم التقدم . انظروا الى القصور والعمران . انظروا الى المكارم التي اكرمنا بها عليكم . من بناء مدارس ومكاتب ومستشفيات .
يا أهل طوخ انتم لطوخ وطوخ” لكم ـ فمن منكم يكره ان يكون طوخيا” حتى النخاع …؟ ومن منكم لم تحدثه نفسه يوما” وقال . لو لم اكن طوخيا” لوددت ان اكون …؟
اما بعــد ــ فأني عن الديمقراطيه ليس ببعيد .. فأين زعيمكم هذا . ليخرج الينا . ويحدثنا عن مطالبكم ….
ــ احد الناس يقول لصاحبه :ـ ينتابني احساس بأن الملك يقول شيئا” معقولا”.
ــ أخر :ـ انك لو امعنت النظر لوجدت ان الملك قد اسيء اليه .
ــ أخر :ـ يجب عقاب اللذين أساءوا الى الملك وغرروا بنا .
هنا صعد صالح العطشان الى المنبر . ووقف امام الشعب وقفة المستبسل المستميت وخطب بهم وقال :ـ
ــ أيها القوم ـ أنا لاأريد ان اخدعكم ولا أعبث بعقولكم واهوائكم كما فعل الملك . بل اريد منكم ان تنظروا الى عدالة قضيتكم . ومشروعية طلباتكم . وان لاتنظروا اليٍّ نظرة توجس وخوف . فوالله اني لا اخفي بزاويه من زوايا نفسي شيئا” أخاف ان تقع عيونكم عليه .
أيها الناس ـ ان هذه التي يسميها الملك مكارم ما هي الا حقوق لكم . اما ماقاله عن القصور والمدارس والمستشفيات . فما لي أنا والقصور التي لا أدخلها مالكا” ولا مستأجرا” ولا حتى زائرا” . وما لي أنا وللمدارس والمستشفيات وأنا جوعان خبز لاجوعان علم . ولا مرض عندي الا مرض الحاجه والجوع . فهل أجد في المدارس خبزا” ….؟ او في المستشفيات دواءا” للجوع مثل ذلك الدواء الذى وصفه أحد الاطباء الكرماء لمريضه الجائع ـ حين عرف سر مرضه ـ فأعطاه علبة دواء وكتب على غطائها (تؤخذ حبه عند اللزوم ) فلما ذهب بها الفقير الجوعان وفتحها وجد فيها عشرة دنانير …؟ هل نجد هذا الدواء في المستشفيات ….؟
أيها الملك ـ في ظل حكمك وحكومتك ازداد غنى الاغنياء من اقاربك وازداد فقر الفقراء من أبناء شعبك . حتى اصبح الفقير فينا يموت جوعا” والاغنياء عندك شبعانون الى حد ان تقتلهم التخمه ..
أما بعد ـ نحن مستعدون ان نموت جوعا” ونستشهد في سبيل مملكتنا طوخ. ولكننا لن نتركك انت واللصوص تمدون ايديكم الى اعناقنا لتخنقونا . لقد جعلتم الاغنياء والفقراء يعيشان كشعبين في دولتين . ونسيتم أننا شعب واحد ودوله واحده وان الاغنياء مسؤولون عن الفقراء . بدافع الحرص على المصير الواحد المشترك . وليس بدافع الشفقه .
أيها الملك ـ ان ثورتنا هذه ثورة الجياع او ثورت اصحاب البطون الخاويه سمها ماشئت … و ..
واحد من الناس يصيح مقاطعا” :ـ
ــ كلهم لصوص .. ولن يحكمنا لصوص …
وردد عدد قليل من الشعب هذا الهتاف في صوت ضعيف خجول ـ ورفع العطشان يده كأنه يسكت محاولة ترديد الهتافات واستطرد قائلا” :ـ
أيها الناس ـ من منكم يكره ان يكون حرا” …؟ ومن منكم يحتقر نفسه …؟ ومن منكم لايريد مصحة بلده وابناءه …؟ ان كان بينكم واحد من هؤلاء فليتكلم ….
الشعب بحماس :ـ لا . لا . ليس فينا واحد من هؤلاء …
هنا وقف مستشار الملك الشيخ الجليل وطلب من العطشان السماح له بألقاء كلمه ..ذهل الجميع .. ومرت برهه صمت عليهم كأن كل واحد منهم راح يفكر في هذا الطلب.. الى ان عاد العطشان واستدرك . واستانف حديثه وقال :ــ
ــ هاهو احدهم يطلب السماح له بالحديث فأستمعوا له واسمحوا لي ان اقول لكم كلمه أختتم بها خطابي .
أيها الناس : انني ابذل نفسي للذود عنكم وعن كيانكم ولا زلت باقيا” على عهدي فأبقوا على ما عاهدتموني عليه .
الشعب يهتف له بحماس شديد ـ والتصفيق يدوي كالرعد في السماء ـ والكل مرحب ويهلل بعهد جديد من الحريه .
أحد الناس يقول :ـ اظن ان هذا الرجل يقول شيئا” معقولا”.
أخر:ـ أنا أقترح ان نحمله على الاكف حمايه له من بطش الملك لنوصله الى منزله .
أخر:ـ لننصب له تمثالا” . لقد أزال حاجز الخوف من قلوبنا بجرأته.
أخر:ـ الافضل ان ننصبه ملكا” علينا .
وهنا ينزل العطشان عن المنبر وقلوب الشعب طائره حوله . والعيون حائمه عليه .
ويصعد الشيخ . ويقف امام الميكرفون ليخطب .. فرمقه الناس بعين الغضب كونه مستشار للملك . ولولا اشاره من العطشان ما أستطاع الشيخ ان يتفوه بشف كلمه ……. ثم أخذ يتلو عليهم كلمته .
الشيخ:ـ اخواني واحبائي ـ أهلي وعشيرتي الافاضل .
ضجيج وهرج محتدم ثائر يقطع عليه حديثــــه.
أحد الناس :ـ اسمعوا مايقوله الشيخ .
أخر :ـ لانريد ان نسمعـــــــــــــــــــــــه .
الشيخ :ـ اسمعوني اكراما” لهذا الرجل ـ وأشار بأصبعه السبابه الى العطشان .
أحد الناس :ـ نسمعه …اذا” …؟
أخـــــــــر:ـ نعم نسمعه لان العطشان آمر بذلك….!
الشيخ :ـ اني ماجئت هنا الساعه للدفاع عن الملك . بل جئت لاقول كلمة حق . والله لو كذبت على الناس جميعا” ما كذبت عليكم .
أيها الناس :ـ ان الملك انسان مثلكم يخطيء ويصيب .. وما من احد” منكم الا وله في حياته اعمال حسنه واخرى سيئه .. وانني ما كنت لآستطيع ان اقف موقفي هذا بينكم ولا أقول كلمه مما اريد ان اقول لولا ان زعيمكم سمح لي بالوقوف والكلام لآكون شاهدا” بينكم وبين الملك .
وكل ما أستطيع ان اقوله .. ان زعيمكم رجل شريف .. وصادق لايكذب .
وأما الملك . فأنني كثيرا” ما كنت اراه بعيني يبكي لبكاء فقرائكم ويحزن
لحزنكم . وكان يبيت الليالي ساهرا” لاتغمض له عين خوفا” وعطفا” عليكم .

أحبائي:ـ انكم احببتم مليككم قبل اليوم حبا” جما.. وكان بالامس حين ينطق بالكلمه تدوي أياديكم وأيادي زعمائكم في التصفيق له دوي الرعد في افاق السماء .. فأصبح اليوم مهانا” ولايجد بينكم من يأبه له . ولا من يعطف عليه .
كيف تغيرت حالكم. وضللتم سبيلكم . وعميتم عن الحق . فلم تعودوا تميزوا بين الغث والطيب . وبين الجرائم والمكارم .
اخواني :ـ عفوا” . ان أخطأت بكلامي . أو أسأت لآحد منكم .واعلموا اني حزين عليكم .
فها أنتم قد عزلتم مليككم .. لكنكم لاتعرفون من سيأتي بعده . ولا عن تاريخه . اني اعتقد ان زعيمكم هذا ( اشار بأصبعه الى العطشان) شريف عظيم ولا أستطيع ان اسيء اليه .
وهنا سالت من عينيه بضع قطرات من الدموع . وكانت رساله منه الى الشعب .
فثار ضجيج الناس وبداء الهرج والفوضى بين افراد الشعب وهاهو احد الناس يقول لصاحبه:ـ
ــ اظن ان هذا الرجل يقول شيئا” معقولا”.
وأخر يقول لصاجبه :ـ انظر اليه فهو يبكي وينتحب.
أخر :ـ لقد آثر فيّ وأحزنني منظره .
آخر :ـ لقد حزنت عليه لانه يبكي رحمة” بنا.
آخر :ـ ليس هناك رجل اشرف من هذا الشيخ .

هنــــا . راح الشيخ ينظر الى القوم فرأى في ملامحهم مايدل على انهم اعجبوا بحديثه . ويتمنوا ان يطيل بخطبته . فأبتلع ريقه وواصل حديثه وقال:ـ
ــ قبل ان اودعكم . فمن كان منكم يملك دموعا” فليعدها لهذا الموقف فأنه موقف يحتاج الى كل ما في عيونكم من دموع .
اخواني . فلئن كتب على هذه الامه ان تختار في هذه اللجظه لها ملكا” ويكون رجلا” صالحا” ــ فلا بد ان تتجه عيونكم الى الرجل المنتج ـ وليس الى الرجل المتثائب الكسلان .
ايها القوم :ـ أنتم بحاجه الى شخص يعمل بجد وهدوء ونشاط . فأذا شعرتم انكم في حاجه اليّ وطلبتم مني ان أختار شخصا” من بينكم تنطبق عليه هذه الصفات فأني أقف حائرا” مترددا” ..
ولكنكم تستطيعون ان تعقدوا الآمال عليّ . وتلقون على كاهلي مصير البلاد لمدة خمسة اعوام على الاقل واني واثق بأننا معا” أنا وانتم سننهض في البلاد الى صفوف البلدان المتقدمه . فأن الذي أفسد بلادنا . انما هم هؤلاء أمثال صالح العطشان . والملك .
فكان يحشد بعضهم ضد بعض في قتال عنيف مستمر . لم تكن له نتيجه غير تحطيم البلاد والعباد .
وبـعـــــــــــد… فيا أهل البلد هل ترونني قد أخلصت لكم النصح …؟
الشعــــــب:ـ بصوت واحـــــد … نعـــم .. نعــــم .
ضج الشعب ضجيجا” عظيما” وهاجوا هياجا” كبيرا” . لقد نجح الشيخ بأيقاظ الفتنه . واستطاع ان يكسب ثقة الشعب .
واحد من الناس :ـ يالــــــــه من منظر محزن فظيع .
أخر :ـ يا لدناءة وسفاهة هذا الشعب اذا تركوا هذا الشيخ . ولم ينصبوه ملكا” عليهم .
اخر .. الانتقام .. الانتقام .. أمسكوا الملك والعطشان . ومزقوهم اربا” قبل ان يهربا.. .. لاتشفقوا عليهم وعلى من يساعدهم .
وتم القبض على الملك السابق وعلى العطشان واعوانه من قبل الشعب الهائج.
الشيخ .. مهلا” . مهلا” . أنا لا أريد ان اشعل بينكم فتنه عمياء ولا أريد منكم الانتقام لا من هذا ولا من هؤلاء . فأنني لاازال ارى انهم قوم شرفاء صادقين ولايكذبون .
الشعــــــــــب :ـ يالــــــه من رجل كريـــــم .
اخــــــــــــــــــر:ـ يالـــــــــه من رجل شريـــف.
اخـــــــــــــــــــر:ـ الحمد لله . لقد كفانا الشيخ شر القتال …
ثم خرجوا يتدفقوا في شوارع المملكه تدفق الامواج الثائره ـ

وهكذا استطاع الشيخ الجليل بسحر الكلام . وبموقف واحد ان يغتصب السلطه من الملك الغلبان وان يبعد صالح العطشان .
ووقف شعب طوخ كاللطوخ بين فرسان السياسه ورواد البيان . تقربهم كلمه. وتبعدهم اخرى . وتجذبهم دمعه . وتدفعهم ابتسامه . وتطير بعقولهم الخيالات طيران الرياح الهوجاء بذرات التراب .

في الحلقه القادمه .. وبعد ان نفذ الشيخ الجليل من تلك الاذان الصاغيه اللينه الى قلوب شعب طوخ الطيبه . وحين استحكم آمره . أخذ يلعب بهذا الشعب الطيب لعب الصبي بكرته .
فأتفق مع العطشان وسلمه حقيبة الماليه حتى يتسنى للاثنان من تحويل جزء من ثروة المملكه المرصوده الى منافع شخصيه . وليكف العطشان عن مشاغبة الملك . وسلم للملك السابق وظيفة مستشار . وتغيرت الادوار . وبقي الاستعمار .. وسميت الحكومه بحكومة الاخوه الاعوان ……
ودارت الايام ـ وظهر الاقطاع ـ وتفشى الفساد والمحسوبيه . وازدادت الرشوه والمديونيه . وتقلصت او فقدت السياحه . وقلت التجاره . واغلقت المحلات التجاريه والبوتيكات النسائيه . وقطعت الاتصالات ونهبت الثروات . والشعب نائم كسلان غير مدرك لما يدور جوله .
حتى ثار المختار . وعمل انقلاب ونجح به . لكن اهل طوخ مازالوا لطوخ .فنزل الاخوه الاعوان الى الشارع وعاثوا بالبلد خرابا” ودمارا” .
فهل يستطيع المختار وقف عنف الاخوه الاعوان . واخذ البلاد الى بر الامان ..
تابعوا ذلك في الحلقه القادمه …..ان شاء الله .

Advertisements

غبيــــــه

غبيــــــه

شهقت والدتي حين عودتي ــ وهمست ـ عدت ياولدي والعود احمدي . 

اسرعت الى الداخل ــ اخذت اتنقل بالفيله من حجره الى اخرى ـ اتحسس الابواب والاثاث والجدران ـ يراودني احساس بالنشوه ـ نشوة الانتصار ـ ونشوة الاستمتاع بفيلتي الجديده الرائعه ـ انها حصيلة تعب ومشقه دامت خمس سنين .

انا الان اشعر ان كياني كله كائن ها هنا ـ كأنني وولدت هنا . وعشت وترعرعت هنا ـ ونسيت كل شيء عن الماضي .

ولكن: لو طلبت مني ان اقص عليك الطريقه التي حققت بها هذا النجاح ـ لاوقعتني في حرج شديد .
ولكنني لا اشعر بهذا الحرج ـ وكأن شيئا” لم يقع اطلاقا”

من هنا تبداء الحكايه … عندما سافرت لاحد الدول الغنيه . وكنت شابا” لم ابلغ العشرين من العمر .. فقير معدم . محروم من كل شيء .. مثال للطيبه والطاعه .. عنيد وبنفس الوقت جريء لحد التهور .. وسيم الشكل . طويل القامه . ازرق العينين . متين البنيه . مهندم الشعر . انيق في اختيار ملابسي . . لدي حلم ارغب في تحقيقه .
هو ان اصبح غنيا” وامتلك بيتا” .. عملت بمهن متعدده .. لم احقق منها شيئا” .. الفشل كان حليفي بكل منها .. وبالصدفه اكتشفت ان لدي موهبه غريبه في اصطياد النساء وان لدى من المقومات الكيثر لاصل اليهن . بعضهن كان يتدلل ثم ترتخي . وبعضهن يصعب ثم تسهل .

فكونت فكره ان المرأه مخلوق تافه سريع الانجذاب سهل ان يخدع . وان اغبى رجل يستطيع خداع اذكي امراه . فما وقفت يوما” في طريقي امرأه الا وعرفت كيف الوصول الى قلبها . فقررت ان تكون هوايتي في اصطياد النساء وابتزازهن هي مهنتي .
وذات يو م.. بينما انا جالس في شرفة الشقه التي اسكنها ارتشف فنجان قهوة الصباح .. راع انتباهي خروج امرأه تمشي بخيلاء من الفيله المقابله . لتركب سيارتها الفخمه . فملات عيني منها . كانت تنقل قدميها بحذر شديد وهي سائره حتى لايتلف التراب لمعان حذائها .
سألت عنها فقالوا :ـ هي ارمله ـ تعيش وحيده في هذه الفيله الكبيره بعد ان ترك لها زوجها ثروه كبيره .
فتمنيت ان تكون هذه المرأة لي .. لا لاحبها بل لابتزها . وبدات انصب شباكي حولها . جندت كل من اعرف ويعرفها ان يساهم في خلق الجو المناسب للقائي بها .. على ان تفهمه هي صدفه .. أريد ان اعرفها عن كثب …

وبنظره مني .. ثم ابتسامه .. ثم لقاء ْ . وقعت في شباكي .. وكنت في كل مره نخرج بها اتكلم كثيرا” .. وليس من المهم ان اقول لك ماذا قلت لها .. لقد قلت كثيرا” وأؤكد لك ان الكثير مما قلت كان كلاما” عاديا” . لكنه كان يدخل السعاده الى قلبها .
كان مظهري حينذاك يوحي باني شابا” صغيرا” .. فلم تدرك انني استدرجها بحديثي لاصطادها وابتزها . فوقعت في المصيده بسهوله ولم تتعبني ــ واطمئنت نفسها لي ــ وشيئا” فشيئا” .. بدأت تتحرر من بعض التردد والخجل .. واخذت تتقرب مني وتشكو لي همومها المكتومه . وزفرت انفاسا” ساخطه على طفولتها وقالت :ـ
ــ منذ نعومة اظفارى وعمرى 15 سنه امسكني والدي وساقني كما تساق العنزة الى الذبح وزوجني لرجل عمره 60 عاما” مصاب بالرعاش .. لاقوم بخدمته وتلبية طلباته .. وكنت اذا مرضت .. لا اجد من يهتم بي . ويقول لي لابأس . وان عانيت ارقا” فلا اجد انسانا” يسامرني .. وابتلعت ريقها ثم واصلت حديثها . بعد برهه :ـ
ــ ان سبب تعاستي انني وحيده في هذه الدنيا . ارمله ليس لي زوج يقف بجانبي .
ـ اذا” … هي تريدني زوجا” لها .. فترددت …انها غير جميله ونفسي لاتستطيع النظر اليها . وعمرها ضعف عمرى.. قصيرة القامة . ممتلئة الجسم . ضخمة الصدر . شاحبة الوجه . عيناها ضيقتين وتزداد ضيقا” مع دخان السيجاره التى لا تفارق شفتيها الغليظتين . والاتف فتحتاه متقلصتان . والشعر كثيف اسود لامع يبداء منبتة قريب من الحاجبين . والجبهه ضيقة عنيده . نافزه . مرتابة . منطوية . مستكينه .
حاولت الهرب لكني ما لبثت ان عدلت بعد ان شنت علي نفسي الاماره بالسوء هجوم عنيف .
فخطبتها من اهلها .. فقوبل طلبي بالرفض والاستنكار والاشمئزاز . لكنهم عادوا وقالوا :-
– الله يهني سعيد بسعيده
وهكذا مضت الايام والاشهر والسنين . اعمل لديها بمهنة زوج . فهى تغدق علي بالمال والهدايا وانا اغدق عليها حبا” وعطفا” وحنانا” . والكل منا سعيد ومستفيد . حتى افسدة هى الامر بيننا حين لبست القميص الاحمر وطلبت مني بشقاوة ان احملها بين يدي واصعد بها درجات السلم القليلة فهجت كما يهيج الثور الاسباني من اللون الحمر ورددة عليها :-
– كنت مستعد ان اقبل هذا من فتاة في سن العشرين جميلة . منمقة التفاصيل لكن من بقرة سوداء عمرها تجاوز الاربيعين …
قاطعتني – وصاحت والمراره تمتزج بذبذبات صوتها :-
– كنت انظر البك بأعتبارك الرجل القوي . الذي سوف يحملني ويطير بي . لكنك انسان حقير لا يوجد امرأه على اديم الارض تطمح في زوج مثلك .

وقبل ان يبدأ احدكم ويلومني ويحاسبني على ما فعلتة يجب ان يلومها ويحاسبها هى ايضا .

فزواجي منها لم يكن الا لتحقيق هدف محدد . وزواجها مني لم يكن الا من قبيل الاستعراض .. وبدافع من احساس يسيطر عليها بأنها امرأه تمتلك ثروة . وانها تستطيع ان تعمل الكثير بهذه الثروه . وتشتري رقاب الناس .

وطالت الازمه بيننا .. وبدأنا نتراشق بالكلمات والعبارات الناببيه صبحا ومساء
فأتخذت قراري ان اطلقها .. او ان اقدم استقالتي لها – سميها انت ما اردت . وارجع الى بلدي .. واتمتع بفيلتي ..

وبدأت افكر بعد هذا القرار .. ااخبرها بيوم السفر .. ام اجعله مفاجئه لها ..
لتكن مفاجئه

الكابــــــــــــوس

الكابــــــــــــوس :ـــ

كان زوجي يقضي معطم وقته خلف صفحات الكتب . فتجده احيانا” يكون ماركسيا” يحمل لواء الاشتراكيه . وتارة” راسماليا” . وتارة” اخرى فيلسوفا” يردد نظريات الفلاسفه الملحدين .

وكان يعتقد انه اصبح مدرك لما يدور حوله ….

فكان اذا مل الكتاب جلس امام الشاشه يشاهد جحافل الموتي والقتلي . فها هي شعوب تموت جوعا” . وهاهي شعوب تموت من التخمه . وهاهو فلان طارت به قنبله فاردته قتيلا”, وهاهو فلان سقطت به طائره فمات .
كان يشعر باللامبالاه بالاحداث وبما يمر حوله ويرجع هذا الشعور بالاستسلام الى اعتقاده ان المكان ليس الا اسطوره . والزمان وهم . ونحن نحيا في الخيال .
ومع الايام .. امست .. تداهمه نوبات من القلق .. واصبحت.. تنتابه لحظات
يأس مرير تتحول معه الى حاله من التمرد .
وفي ذات ليله ـــ اصابته قشعريره سرت في جسده .. فألقى بنفسه بأعياء على الفراش .. وتكور تحت الغطاء .. وهمس :ــ
ــ هي الانفلونزا ــ ولابد لي من ان ازور احد الاطباء ليخلصني منها .
غلبه النعاس فنام .. وما هي الا لحظات حتي نهض مفزوعا” تنتفض اوصاله من الخوف .. ومسح العرق الذى اندى جبينه .. وبداء يلتفت يمينا” ويسارا” . وكانت نظراته مذهله ومقلقه . ثم عاد واستدرك …بعد ان رأى علامات الدهشه والحزن ترتسم على تقاسيمي…وبداء يقص عليه مارأه في منامه وقال والمراره تمتزج بذبذبات صوته :ــ
ــ سمعت صوتا” عذبا” يقول.
ــ كل نفس” ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامه .
فتسألت من اين يأتي هذا الصوت ؟
حاولت ان استيقظ لارى من اين ياتي ــ لكن رقبتي وعيناى لاتتحركان .
الصوت ـ يأيتها النفس المطمئنه ارجعي الى ربك راضية ” مرضيه وادخلي في عبادى وادخلي جنتي .
خيل الي حينها انني قد انتقلت من عالم الاحياء الى عالم الاموات . فهمست بسرى :ــ
ــ اذا” ــ المكان ليس اسطوره ــ والزمان ليس وهم ــ ونحن لا نحيا في الخيال .
الصوت ـ لقد اتيت الى المكان الذى لاعودة منه ـ لتلتحق بمن سبقوك .
فجأه التمع المكان من حولي ــ وخيل الي كأنني بعثت بعد الموت ليوم الحساب ــ ووقع بصري على اشخاص عيونهم كأنها اضواء مصابيح يدويه تقترب من بعيد ــ انهم يقتربون اكثر فأكثر .
ــ يا الهي . انهم يسيرون في الفراغ .في العدم .
حاولت جاهدا” ان اتعرف على احدهم . فلم ارى الا اشباح . وجوه بلا تعابير . اجساد هائمه دون وجهه . هياكل عظميه عبروا من امامي ثم اختفوا.
لم أيأس مازال بداخلي امل يداعب عقلي وفكري . بأن الاشياء وان بدت حقيقيه الا ان الزمن مايلبث ان يلتف حولها لتصبح الحقيقه خيال .. فقررت الهرب ــ فركضت ــ وركضت كثيرا” . لكني لم أشعر بالتعب ـ وقدماي لاتتحركان .
لن أستسلم ــ سأهرب من هذا الجب المظلم ـ وحينها لن تستطيع قوه على الارض من اللحاق بي ــ سأختبيْ داخل محاره بأعماق البحار ـ هاهو شعاع من الضوء كالخيوط .. اندفعت زحفا” داخل هذا الضوء . كل شيء فراغ .

الصوت ــ لقد خطوت خطوتك الاخيره نحو الفناء وانت تسير الان الى ارض العدم.

وبينما انا على هذه الحاله من الرعب والخوف .. واذ بصوت انفجار عنيف كأنه بركان ينبعث من باطن الارض .. اهتز له جسدى فأستيقضت …
وراح بعدها يتحسس جسمه . فوجده سليم . ..
فهمست له :ـ
ــ احمد الله سبحانه وتعالي الف مره ــ انك خرجت من هذا الكابوس حيا” .. ولا تجعل مشكلات الحيا’ العصريه وعجائب البشر تلهيك عن ذكر الله .. انك لاتدرى لعلى الله اراد بك خيرا” فمنحك قبل حلول اجلك فرصه من الزمان لتخلو فيها بنفسك وتراجع فيها فهرس اعمالك . فأن رأيت خيرا” اغتبطت وفرحت . وان رايت شرا” . استغفرت وتبت .

ومن تلك الحادثه .. عاد زوجي لرشده بعد ان تيقن ان العالم الذى كان في نظره نظريات وفلسفه . قد رفعت عنه الستاره فأذا هو اسود رهيب .
وبداء يدقق في عناوين الكتب التي يقراءها ولم تعد تهيبه كلمة فيلسوف . حكيم . عالم . فما هي الا القاب . وان حقائق الاشياء واسرار الكائنات قد أستأثر الله جل جلاله بعلمها ولم يمنح العباد منها الا القليل .

جاهلــــــــــــــــــه

جاهلــــــــــــــــــه

ممرضه انا في احد المستشفيات الكبرى . طويلة القامه .متينة البنيه . متناسقة التقاطيع. وعيناي سوداوان .وحاصله على دبلوم متوسط في التمريض. حصلت عليه بشقُ الانفس .فلم اكن منضبطه في دراستي فكان الكتاب في نظري الدُ اعدائي وابغض اشيائي ولكن الله سبحانه يسر لي سبل النجاح وتخرجت .وكان قدري ان اتعرف عليه بعد اللقاء الاول الذي جمعنا في المستشفى واصبحنا صديقين حميمين .واضطردت صداقتنا ..

انه يكبرني بخمسة عشره عاما ..وبعد عامين من الان سيصبح عمري خمسه وعشرين عاما . مثقف . يحرس دائما على القراءه والكتابه .
هذا فضلا عن براعته في الحديث والتسليه . كان يحكي لي عن كتبه ومؤلفاته ويحدثني عن النوادر التي مرت في حياته .وكنت اصغي ويطول اصغائي له حتى اتسعت علاقتي به لحد المزاح…..

وذات يوم.. صارحني برغبته بان اكون له شريكه طول العمر .فوجئت بطلبه. وصدمتني المفاجأه . ولا تسألني عما جرى لي في هذه اللحظه . لأن الصدمه كانت قد افقدتني وعيي. لكنني لن اقول لك انني سقطتُ مغشيا” علي.ولكن الذي حدث. انني تلفت ُحولي غير مستبعده ان اكون في حلم .فتريثت قليلا” قبل ان اجيب .اخذ خلالها يترصدني بنظراته . ولم يكن بحاجه الى انتظار الرد بعد ان راى بريق السرور يلمع في عيوني .
وفي النهايه.. لايعيب هذا العريس المنتظر شي من وجهت نظري الأ الصلعه التي في مقدمة ووسط راسه .

مرت شهور الخطبه عاديه لاتحمل الجديد سوى تركي للعمل في المستشفى وهذا كان شرطه الوحيد .
ومضت السنه الاولى زواج . وكان يمضي معظم وقته بقراءة الكتب حتى ضننتُ ان المؤلفين ما ألفو هذه الكتب الا نكاية بي . وانعكس هدوء حياته واستقرارها على عمله فلمع اسمه وزادت شهرته وكبرُت علاقاته ونما رزقه نموا” كبيرا” .
وفي السنه الثانيه.بدء يلحُ عليه كثيرا” ان أمارس القراءه حبا” با لقراءه.
وكنت اتي له باعذار .فمره اقول .حاولت.لكني لم افلح.واخرى .حاولت. لكن شغل البيت من كنس وطبخ وغسيل وكوي يرهقني.وثالثه.حاولت .لكني لا أجد الوقت الكافي لذلك.

لم تقنعه اعذاري .وذات ليله . جاء يحمل على ساعديه كومه من الكتب ووضعها في حجري .وسألته بذهول :-
ــ ماكل هذا ..؟
فهمس لي :-
ــ هيأ اقرائي واكتبي لي ملخص عن هذه الشخصيه التاريخيه.
فرددت عليه بتكبر :-
ــ لا . التاريخ يهمني ولا الجغرافيا تستهويني . فما الذي يجبرني على القراءه.
حينها عقد حاجباه. وبداء يرمقني بنظراته . ولم ينفث بكلمه . فركبني الوسواس من سكوته .وبدأت ارتبك من نظراته .وفجأه وجدتني ابكي والدموع تنهمر على وجهي .فزفر . بعصبيه بعد ان رفع حاجباه للاعلى :-
ــ لقد وقعت على عقد كتابة سيناريو فلم لاحدى شركات الانتاج المهمه . عن شخصيه تاريخيه وعليكي ان تقومي بقراءة هذه الكتب التي تتحدث عن حيات هذه الشخصيه وتلخصينها لي . ومنها ساكتب السيناريو وستتقاضين أجرا وقدره ثلاثة الاف دينار . .
اذهلني كلامه .فهززت بكتفي قبل ان اجيب . ثم قلت بصوت خافت والدمع بالعين اصبح مزيجا من الفرح والامل :-
ــ لكنني .لا اعرف شيئا” عن هذه الشخصيه ولا عن غيرها .انني جاهله .لست مثقفه .
حبنها رفع يديه الايثنتان للاعلى . وصك على اسنانه .فحبستُ انفاسي . ورجف قلبي حلعاٌ .ثم هوى بها وأمسك براسي . ثم جذبه اليه . فطبع قبله على جبيني وقال :-
ــ هيا اقرائي هذه الكتب .
وما كان مني الا ان بدأت في القراءه فورا”.
من الغريب انه حين ارادني ان اقراء حبا” با لقراءه نفسها لم يستطع ان يخضعني لا رادته . وحين اراد ان أمارس القراءه لقاء بعض النقود استطاع ان يغريني ويخضعني .

وانتهيت اخيرا من اعداد ملخص كامل عن هذه الشخصيه بوقت قياسي واصبح كل شي جاهز .
وحين قرأها . نظر الي بتعجب . واطال النظر. حتى كاد قلبي يهوي من صدري على الارض .
فتبسم وقال :-
ــ برافو . احسنت . جميل جدا” ومكتمل. وحمل الاوراق وخرج .
ولم ازل اطالبه بالمكافأه حتى مر اسبوع. فتلقيت باقه من الزهور ومظروف بداخله شيك بثلاث الاف دينار من الشركه المنتجه .
بعدها . وجدتني احمل جميع الكتب التي تتحدث عن هذه الشخصيه والقي بها داخل احد الدواليب فتتساقط متكومه فوق بعضها .
وعند ظهور الفلم .وعرضه في دور السينما . نال شهره عظيمه ونجح نجاحا باهرا . وحصد العديد من الجوائز . واهمها جائزة احسن سيناريو لاحسن فيلم تاريخي طويل .
واما انا فمنذ ذلك التاريج الذي استلمت به المكافأه والقيت الكتب في الدولاب لم تقع عيني على اي كتاب ونسيت كل شي ء قراءته .وعدت كسابق عهدي انسانه جاهله .
وها هم ثلاثة مصورين يلتقطون له الصور في حماس وهاهم ثلاثة صحفين يدونون حديثه .
وحين سُئل :-
ــ هل وراء كل عظيم امرأه….
نظر الي وتبسم ثم هز براسه موافقا” .
حينها همست بسري : ما اكثر نفاق الرجال : ثم سالثُ نفسي :-
ــ هل الرجل والمراه متساويان في الذكاء والعقل .
فاجبتُ نفسي بعد برهه من الصمت :-
ــ أما با لنسبه للاول فنعم ….أما با لنسبه الى الثانيه فلا.

عاشقة نفسها

عاشقة نفسها

كنت فتاه ذات جمال باهر اخاذ- وفي الوقت نفسه .هادئه. عذبه. متزنه. ذات حيويه متدفقه تكاد حيويتي تفيضى مني كما يسيل الشهد من الثمره الناضجه_وكنت كثيرآ ما أدنو من المرآة واتامل وجهي ناصع البياض .فتبهرني بشرتي الصافيه. واسناني البيضاء كلون العاج وشفتايه الرقيقتان .

كنت مدركه تمامآ انني جميله .وابحث عن شاب .لكن عيون الشباب عميت عني وعن جمالي ….. فلم يتقدم احد منهم لخطبتي لحد الآن مع انني تجاوزت الثامنه عشرة من عمري بقليل ………
بدآت اتجمل واضع المساحيق على وجهي. واختار ملابسي .فاختار التنوره الاقصر. والبنطلون الاضيق. والقميص ذو فتحت الصدر الاوسع.
فأنا اجزم بأن هذه النوعيه من الملابس هي ماتعجب الشباب.
وبينما انا كذلك.. حتى هيأ القدر لي جارآ وخطبني من والدي . انه سالم . شاب وسيم .متعلم.يعمل مهندسآمعماريآ. وذو خلق ومن عائله محترمه ومعروفه في الحي الشعبي الذي نسكنه .فأمتلاء قلبي فرحآ وسرورآ……
لكن الحقيقه التي لا استطيع ان اخفيها. هي انه لم يكن يهمني الزواج بقدر ماكان يهمني ان ارى اعجاب سالم في جمالي .ومدحي .
فترددت في الموافقه .وطلبت اعطائي فرصه لامتحن مدى صلاحيته للفوز بي . فصرنا نخرج سويآ فكنت انا التي تتكلم وهو الذي يستمع . وأنا التي تأمر وهو يطيع وينفذ. كنا سعداء فرحين .وكانت امي تلحظ هذه السعاده فتردد على مسامعي وتقول :اننا فوله وانقسمت نصفين واننا لائيقين لبعضنا البعض.
لم يعجبني منه سكوته وهدوئه وانطوائه وتلعثمه في الحديث في المواقف الحرجه فتسالت :-
ـــ هل يعجبني – ام لايعجبني:؟
وآخيرا وافقت لكن القدر الذي جمعنا .هو ايضا الذي تأمر علينا وفرقنا ..
فبعد مرور خمس ايام على موافقتي عرفني سالم على صديقه عصام.فتغيرت حالي من حال”الى حال.
فعصام هذا هو ابن جارنا البقال وهو ايضا وسيم وجذاب. ابيض البشره .صافي الوجه. مسبل الشعر .مبتسم دائما . حاصل على دبلوم علاقات عامه. ويعمل موظف استقبال في احد الفنادق الفخمه.ومفتول العظلات .
وكنت دائمأ اراه .يتبعني ويمشي ورائي .وكنت ابتسم له ولا اصده .
لكنه هذه المره . رأني مع سالم أثناء خروجنا من البيت. وكنت حينها بكامل اناقتي لا بل تطور الامر وبدأت امشي غندره. واضحك دون داعي . وقبل ان نبتعد ب 100متر لمحته يتبعني ويمشي ورائي . فأعتذرت لسالم بانني لا استطيع الخروج معه الليله كوني متوعكه قليلا .وهمست له :-
ـــ أذهب الان والى اللقاء غدا” . وشددت على يده أودعه وآنا اكاد ادفع به الى الورآء ليغادر. كي اتفرغ لعصام.
ومضى سالم وحيدآ …أخذتُ بعدها اقصُر الخطوه واسير ببطئ شديد وكنت اهمس لنفسي :-
ـــ ارجو ان يكون ما رأه عصام يحفزه على معاملتي دون تكلف . وأخذت آنقل خطاي ببطئ اكثر .وتقاصرت المسافه بيننا حتى صارت مترآ واحدا”.واذا بيده فوق كتفي .فآستدرت لا رأه جيدآ .فآذا بي أرى أبتسامه تتخايل على شفتيه . وأخذ يمشي بجانبي كما لو كنا عاشقان .وبهدوء انحنيت لا لتقط حذائي والقمه به .فعاد خطوه الى الوراء كانه اراد آن يطمئنني وقال:-
ـــ عفوآ. لا تسيئي الفهم .كل ماهنالك انني اريد ان اخطبك لنفسي . وآنني معجب بك .وبخلقك ولباقتك .
دارت بي الدنيا . انه الرجل الذي يعجبني .أنه يبادر ويمتدحني بقوه.
ـــ نعم _أنه يعجبني
ومازلت احدث نفسي بمثل هذا الحديث حتى رايت نفسي في منزلي من حيث لا اشعر . ورأيت امي ماثله أمامي .وأرتاعت لعودتي بهذه السرعه .لكنها مالبثت ان فرحت حين رأت السرور في عيني .فسألتني .فلم اجب …..

وفي اليوم التالي دعاني سالم لتناول الغداء. فتوجهت معه الى احد المطاعم الشهيره القريبه من البيت . وجلسنا متواجهين .وكان الصمت يخيم علينا .وثبت نظره عليه بطريقه مستفزه . احرجتني . وأنتهينا من تناول الطعام دون كلام . وحين هممت’ ان اكلمه ورفعت’ بصري اليه .غمزني بعينه . ومط شفتيه للامام .ثم وضع يده على راسه وبدا ء يتحسس شعره .فهمست بسري:-
ـــ الم يجد وسيله أفضل من هذه ليشعرني بحبه _؟ لماذا لايبادر ويقول انه يحبني …؟
حينها انفجرت غضبآ عليه:-
ـــ ماذا بك .هل تشعر بشئ .انا سأصبح زوجتك يا أهبل ليس عشيقتك .فرد عليه بصوت منخفض ذليل كأنه يعتذر .
ـــ لكنني . في الواقع..
ـــ قاطعته قائله :-
ـــ لكنك في الواقع مادعوتني الليله الى هنا الا لتعلن لي عن حبك . لكنك بدل ذلك حاصرتني بنظراتك التي تشبه نظرات كلب في مأزق.وحركات قرد في السرك .هل هذه هي طريقتك في أفهام فتاه انها تعجبك .
ـــ أسف.. أسف .. قولي لي انت كيف اتصرف…؟
حينها لم اتمالك نفسي . فآطلقت ضحكه قصيره ثم قررت ان أعلمه مالم أكن أعلم عنه شيئا”.
ـــ لا للنظرات . لا للحركات .لا للغمزات. ولا للابتسامات . بأختصار الغمز واللمز مرفوض . أدخل فورا” بصلب الموضوع .وقُل لي لماذا اخترتني أنا دونا” عن نساء العالمين زوجه لك .
أصابه الوجوم . وتجمد مكأنه كمن قرصته افعى . وبعد فتره وجيزه هممت أن اخرج . فوقفت. وضل هوا متجمدآ مكانه . ثم قلت له بجفاء .. أنني خارجه.. هل ترافقني ام اعود لوحدي ..؟
حينها تدارك الامر . فدفع الحساب . وعدنا سيرآ على الاقدام. وكنت احدث نفسي:-
ـــ كلآ .. ليس هو .. بالتاكيد ليس هو.
وفي اليوم الذي يليه اي بعد مرور اسبوع واحد فقط على موافقتي جآء يحمل بيده باقة ورد ليقدمها لي . فنظرت اليه . وقلت له بتكبر :-
ـــ لست راغبه فيك .. فلست انت الشاب الذي يحلم به خيالي .وتطمح له نفسي فهناك شخص آخر سيأتي ويخطبني . فأغرب عن وجهي..
وخرج سالم من حياتي .. ودخل عصام .. وخطبني من والدي.. وكان يتحدث كثيرآ وأنا استمع اليه.. وكان يآمر وانا آطيع .. لكنني فتاه كباقي نساء الارض لا احس ان لي وجود ولا اهميه الا في عيون وقلوب الرجال.. فلو كان هناك ألف عصام وألف سالم وينظرون الي .ثم لمحت أو سمعت في زاويه من زوايا الارض أحدآ معجب بي لا عجبني ذلك الحب والغرام الجديد وركضت اليه ..

فحين استدعاني المدير العام لمكتبه. لم اكن اعلم بما يريد .لكنه حين خطبني لنفسه .شهقت من الفرحه.ثم طرت بخيالي الى السعاده والامل القادمات .لا لان حبآ جديداً ظهر في حياتي وحل محل الحب القديم . ولا لان نفسي تحدثني ان يحل احداً محل خطيبي .بل لانني وجدت برهانا جديدا على جمالي واهميتي .. فأعجبني ..
وبعد الخطبه .. اعترف .. مع الاسف انني كنت كالكلب بيد هذا الابله . التافه. الحقير. وليته كان على الاقل وسيماً ليجرني من انفي كما يشاء . لقد كان متكبر. عنيد.لا يفتر عن مديح نفسه ومغامراته النسائيه . وحين راجعته . تركني واعلن خطبته من فتاه اخرى تعمل معنا في الارشيف ومكتبها في نفس حجرتي….
وهكذا أصبتُ بالتشكك وأصبحت علاقة المراه بالرجل في نظري علاقه غامضه يحجبها دخان .
ومنذ ذلك الحين اصبحت في نظر الناس والجيران انسانه بليده انانيه.. وبداوا يشيروا الي” متهمين اياي بالسطو على العرسان وسرقتهم .. وان الحب والزواج عندي ليس الا امراه تتغذى بمال رجل .
حينها تبدلت حياتي جذريآ .ورحت أضمحل . وجسدي الذي كان اصبح نحيفا بارز العظام .ووجهي تحول الى مثلث مسحوب متوتر . وعيناي محملقتان شاردتان ضاع منهما ذلك البريق . وفم واسع جاف كفم العطشان .
اشعر انني قد انتهيت . وانني اصبحت عجوز مع ان عمري لايزال عشرون عامآ . وراح ضميري يؤنبني على ماصدر مني حيال سالم ومن ثم عصام اللذان اكنُ لهما كل التقدير بعد أن ادركت انني كنت قاسيه عليهم .
وبداتُ الوم نفسي التي جرت عليه كل ما اعانيه . ثم همست:-
ـــ مالي ألحُ على ذكرياتهم واناجي صورهم وأتشبث بآثارهم بعد ان فقدتهم.

سن اليأس

سن اليأس 

قال الشاعر : الا ليت الشباب يعود يوما” لاخبره بما فعل بي المشيب .

لقد مصى عهد الشباب . وودعت ادنيا بوداعه . 

اه” … عليك ايها الماضي الجميل – لقد كنت ميدانا” فسيحا” للامال والاحلام . وكان كل شئ” فيك جميل – حتى فقرى وحاجتي . 

سلام” عليك ايها الشباب الذاهب- ابكيك من قلبي لا لآني تمتعت فيك بلهو” او لعب”- ولا لآني ذقت فيك من نعيم العيش ماتذوقه الناعمون المترفون . ولا لآني جئت الى الدنيا وبفمي ملعقة” من ذهب . بل ابكيك لانني كنت ارى في سمائك نجم الامل . ابكيك لاني تذكرت الجلسه البسيطه التى كنت اجلسها في غرفتي الصغيره بين اصدقائي .
كانت احلامي بسيطه – ان ابني لي بيتا” جميلا” اعيش فيه عيش السعداء الامنين .
اما اليوم – فكل ما افكر فيه ان ابني لي قبرا” بسيطا” يضم رفاتي . فالموت نهاية كل حي – واني مفارق الحياة وشيكا” ان لم يكن اليوم فغدا” . ولم يبقى امامي الا ان اعد عدتي لتلك الساعة الرهيبه ..
فوالله اني ما اتيت معصية في حياتي . ولا شككت يوما من الايام في ايه من أيات الله . وكتبه ولا في ملائكته ورسله ولا في قضائه وقدره ولا اذعن لسلطان غير سلطانه . فأمثالي لايملكون في هذه الحياة من سعاده غير سعادة التقرب الى الله ولا نعرف لنا ملجاء نلجاء اليه من هموم العيش الا الله .
فوداعا” يا عهد الشباب .. فقد ودعت بوداعك الحياة

غربــــــــــــه

غربــــــــــــه 

خرجت العجوز وهي تسترجع ذاكرتها , عندما القى ابنها نظرته الاخيره على المنزل , وهو يستعد لركوب سيارة الاجره التي ستحمله الى المطار .

لم تكن تعلم ان هذه النظره ستكون هي النظره الاخيره فعلا”.

وعندما حظر الجثمان , كانت شحنة الحزن ثقيله على قلبها وكانت تريد ان تخفف منها . فتنهدت , ونظرت الى السماء , ثم قالت :ــ

ــ ضعوا الجثمان تحت الداليه , ثم استطردت حديثها:ـ

ــ لقد كانت اسعد لحظات حياته تلك التي كان يقضيها تحت الداليه صباحا” يشرب قهوته ويدخن سيجارته .
ووصلت حديثها واستطردت تقول والمراره تمتزج بذبذبات صوتها:ـ
ــ حين غادر القريه الى بلاد الغربه ــ اعجبته المدينه بانوارها وليلها الذى يشبه النهار , فكان يحدثني عن جمالها ومبانيها العاليه , وعادات اهلها , وعن متعة التجول بالاسواق دون رقيب اوحسيب . لقد بهرته الانوار .
عادت وكانها تذكرت شيئا” :
ــ لكن موقفه هذا مالبث ان تغير .
ففي السنه الثانيه غربه : اخذ يحدثني عن الملل الذى بداء يتسلل الى اعماقه ويخبرني انه يشعر بالحنين الى القريه . ولرائحة الجوافه واشجار الزيتون والرمان وزقزقة العصافير .
وفي السنه الثالثه : صار يتمني العوده لارض الوطن ـ لو احد يساعده في الحصول على عمل .
وفي السنه الرابعه : اخبرني ان زوجته تحثه على التحمل . وان البلد هنا لاتتحمل موظف جديد.
وفي السنه الخامسه : كان يكلمني وصوته مهزوز جدا” . وانه نقل الى المستشفى لاكثر من مره خلال العام .
بعدها انقطع اتصاله ولم يعد يكلمني . وعندما سألت صديقا” له قادما” من هناك . اخبرني ان وضعه الصحي سيء جدا” . وانه يرقد على سرير الشفاء بالمستشفى وزيارته ممنوعه
ـــــــــــــــــــــــــ
وعندما هم رجال القريه بحمله من تحت الداليه ليشيعوه الى مثواه الاخير.
صاحت والقت بنسفها على الجثمان , لطمت خديها , تعلقت بأقدام من حملوه , مزقت ملابسها من ناحية الصدر, عفرت رأسها بالتراب , وجلست في احدى الزوايا تنوح وتئن .
وقال قائل منهم :ـــ
ـــ إن سنين الغربه أورثتة السجائر, وزجاجات الخمر, والسهر في الحانات .
وقال اخر:ــــ
ـــ لقد كان يحرم نفسه من الطعام لايام , ومات بسبب سوء التغديه الذي تطور مع الوقت ليصبح سلا” يعتصر روحه مع كل سعال .
وقال ثالث :ـــ
ـــ إن سنين الغربه اورثته , الراس الكبير , والشعر الطويل , والوجه الاسود , والانف المفلطح والبراطم الثخينه والاذان الطوال .
واما زوجتة . فانطلقت مولوله تصرخ بجمل وتعويذات لم نفهم معناها, وبعد نصف ساعه هرع الى المنزل أخوها مع بعض النسوه ,وجلسن يتحدثن جميعيهن في نفس الوقت وكأن احدهن لم تكن تسمع للاخرى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد ثماني ايام اخرجت الزوجه أوراق كانت قد خبأتها منذ اعوام وقالت :ـــ
ـــ إنها أوراق تمليك البيت وانها هي التي ستحفظ لها حقها.
وما هي الا ساعات حتى عاد أخوها وبرفقته شرطي مع قرار من المحكمه , يقضي بأخراج العجوز من المنزل الذي ورثه الابن عن أبيه .
كانت اللحظه قاسيه عليها لكنها لم تغضب على ولدها فحملت صورته مع حزنها الداكن داخلها , ومضت تبحث عن مكان تسند اليه ظهرها , ووساده تضع عليها رأسها .
وتركت المنزل وهي تحوقل وتدعوا على زوجة ابنها بالويل والثبور .