الربيع العربي

الربيع العربي ……

ياأهل طوخ انتم لطوخ وطوخ” لكم ….. يحكى ان ملكا” لأحد الممالك البعيده . وتسمى مملكة طوخ . كان مستبدا” ظالما” . استعبد الناس والعباد . وأذلهم حتى سلبهم حواسهم ومشاعرهم . وظلهم عن السبيل . واعمى عيونهم عن الحق . فحسبوا الخير شرا” . والشر خيرا” . واختلط عليهم الامر . فلم يعودوا يميزوا بين المكارم والجرائم . وبين المكارم والحقوق . ولم يعودوا يشعروا بمرارة هذا الذل . حتى خرج من بينهم شابا” شجاعا” متحمسا” يدعى صالح العطشان . وكان فقيرا” معدما” . ساخطا” على الفقر الذى يعيش فيه . ويحلم بأن يصبح ذات يوم غنيا” .
فقرر ان يمارس لعبة السياسه .. ليس حبا” في السياسه .. ولكن حبا” في تحقيق حلمه .. فأخذ يحرض الناس بالثوره على الملك .. حتى هاج الشعب هياج الامواج الثائره على السفن الماخره ..
وخرجوا ككتله واحده من البشر تتحرك نحو قصر الملك .. وكان العطشان على رأسهم يسير في الصف الاول .. وتجمعوا امام قصر الملك يلعنون ويسبون .. وكان لابد للملك من ان يستشير مستشاريه بهذا الامر . فأستشار احد المقربين منه وكان شيخا” جليلا” . ومتحدث لبق . وخطيب هادىء واثق من نفسه دائما” الى حد انه كان يعلم مقدما” ما سينتهي اليه كلامه .. فأشار اليه الشيخ الجليل بأحد أمرين . اما الخروج الى الشعب والتحدث اليهم وامتصاص غضبهم وهذا هو الحل الاسلم .. واما الانزواء داخل القصر وقمع هذه المظاهره بالقوه . وهي تجربه فاشله كونه ما استطاع أي من الزعماء يوما” ان يسكت ثائرة الثائرين بهذه الطريقه .
اقتنع الملك بكلام مستشاره الشيخ الجليل .. وطل على الشعب من شرفة قصره . وخطب بالحشود المتجمهره وقال :ــ
ــ ايها القوم ـ كأني أراكم قد كرهتم النهضه الحديثه التي نهضتها المملكه في عهدها الاخير . وان اناس” منكم اخذوا على عاتقهم التغرير بكم حسدا” منهم على نعمة الامن والاستقرار اللذان تنعمان بها .
ايها الشعب ـ ان نهوض هذه الدوله هو نهوضكم وسقوطها سقوطكم وسعادتها هي سعادتكم . أنظروا حولكم. وسترون معالم التقدم . انظروا الى القصور والعمران . انظروا الى المكارم التي اكرمنا بها عليكم . من بناء مدارس ومكاتب ومستشفيات .
يا أهل طوخ انتم لطوخ وطوخ” لكم ـ فمن منكم يكره ان يكون طوخيا” حتى النخاع …؟ ومن منكم لم تحدثه نفسه يوما” وقال . لو لم اكن طوخيا” لوددت ان اكون …؟
اما بعــد ــ فأني عن الديمقراطيه ليس ببعيد .. فأين زعيمكم هذا . ليخرج الينا . ويحدثنا عن مطالبكم ….
ــ احد الناس يقول لصاحبه :ـ ينتابني احساس بأن الملك يقول شيئا” معقولا”.
ــ أخر :ـ انك لو امعنت النظر لوجدت ان الملك قد اسيء اليه .
ــ أخر :ـ يجب عقاب اللذين أساءوا الى الملك وغرروا بنا .
هنا صعد صالح العطشان الى المنبر . ووقف امام الشعب وقفة المستبسل المستميت وخطب بهم وقال :ـ
ــ أيها القوم ـ أنا لاأريد ان اخدعكم ولا أعبث بعقولكم واهوائكم كما فعل الملك . بل اريد منكم ان تنظروا الى عدالة قضيتكم . ومشروعية طلباتكم . وان لاتنظروا اليٍّ نظرة توجس وخوف . فوالله اني لا اخفي بزاويه من زوايا نفسي شيئا” أخاف ان تقع عيونكم عليه .
أيها الناس ـ ان هذه التي يسميها الملك مكارم ما هي الا حقوق لكم . اما ماقاله عن القصور والمدارس والمستشفيات . فما لي أنا والقصور التي لا أدخلها مالكا” ولا مستأجرا” ولا حتى زائرا” . وما لي أنا وللمدارس والمستشفيات وأنا جوعان خبز لاجوعان علم . ولا مرض عندي الا مرض الحاجه والجوع . فهل أجد في المدارس خبزا” ….؟ او في المستشفيات دواءا” للجوع مثل ذلك الدواء الذى وصفه أحد الاطباء الكرماء لمريضه الجائع ـ حين عرف سر مرضه ـ فأعطاه علبة دواء وكتب على غطائها (تؤخذ حبه عند اللزوم ) فلما ذهب بها الفقير الجوعان وفتحها وجد فيها عشرة دنانير …؟ هل نجد هذا الدواء في المستشفيات ….؟
أيها الملك ـ في ظل حكمك وحكومتك ازداد غنى الاغنياء من اقاربك وازداد فقر الفقراء من أبناء شعبك . حتى اصبح الفقير فينا يموت جوعا” والاغنياء عندك شبعانون الى حد ان تقتلهم التخمه ..
أما بعد ـ نحن مستعدون ان نموت جوعا” ونستشهد في سبيل مملكتنا طوخ. ولكننا لن نتركك انت واللصوص تمدون ايديكم الى اعناقنا لتخنقونا . لقد جعلتم الاغنياء والفقراء يعيشان كشعبين في دولتين . ونسيتم أننا شعب واحد ودوله واحده وان الاغنياء مسؤولون عن الفقراء . بدافع الحرص على المصير الواحد المشترك . وليس بدافع الشفقه .
أيها الملك ـ ان ثورتنا هذه ثورة الجياع او ثورت اصحاب البطون الخاويه سمها ماشئت … و ..
واحد من الناس يصيح مقاطعا” :ـ
ــ كلهم لصوص .. ولن يحكمنا لصوص …
وردد عدد قليل من الشعب هذا الهتاف في صوت ضعيف خجول ـ ورفع العطشان يده كأنه يسكت محاولة ترديد الهتافات واستطرد قائلا” :ـ
أيها الناس ـ من منكم يكره ان يكون حرا” …؟ ومن منكم يحتقر نفسه …؟ ومن منكم لايريد مصحة بلده وابناءه …؟ ان كان بينكم واحد من هؤلاء فليتكلم ….
الشعب بحماس :ـ لا . لا . ليس فينا واحد من هؤلاء …
هنا وقف مستشار الملك الشيخ الجليل وطلب من العطشان السماح له بألقاء كلمه ..ذهل الجميع .. ومرت برهه صمت عليهم كأن كل واحد منهم راح يفكر في هذا الطلب.. الى ان عاد العطشان واستدرك . واستانف حديثه وقال :ــ
ــ هاهو احدهم يطلب السماح له بالحديث فأستمعوا له واسمحوا لي ان اقول لكم كلمه أختتم بها خطابي .
أيها الناس : انني ابذل نفسي للذود عنكم وعن كيانكم ولا زلت باقيا” على عهدي فأبقوا على ما عاهدتموني عليه .
الشعب يهتف له بحماس شديد ـ والتصفيق يدوي كالرعد في السماء ـ والكل مرحب ويهلل بعهد جديد من الحريه .
أحد الناس يقول :ـ اظن ان هذا الرجل يقول شيئا” معقولا”.
أخر:ـ أنا أقترح ان نحمله على الاكف حمايه له من بطش الملك لنوصله الى منزله .
أخر:ـ لننصب له تمثالا” . لقد أزال حاجز الخوف من قلوبنا بجرأته.
أخر:ـ الافضل ان ننصبه ملكا” علينا .
وهنا ينزل العطشان عن المنبر وقلوب الشعب طائره حوله . والعيون حائمه عليه .
ويصعد الشيخ . ويقف امام الميكرفون ليخطب .. فرمقه الناس بعين الغضب كونه مستشار للملك . ولولا اشاره من العطشان ما أستطاع الشيخ ان يتفوه بشف كلمه ……. ثم أخذ يتلو عليهم كلمته .
الشيخ:ـ اخواني واحبائي ـ أهلي وعشيرتي الافاضل .
ضجيج وهرج محتدم ثائر يقطع عليه حديثــــه.
أحد الناس :ـ اسمعوا مايقوله الشيخ .
أخر :ـ لانريد ان نسمعـــــــــــــــــــــــه .
الشيخ :ـ اسمعوني اكراما” لهذا الرجل ـ وأشار بأصبعه السبابه الى العطشان .
أحد الناس :ـ نسمعه …اذا” …؟
أخـــــــــر:ـ نعم نسمعه لان العطشان آمر بذلك….!
الشيخ :ـ اني ماجئت هنا الساعه للدفاع عن الملك . بل جئت لاقول كلمة حق . والله لو كذبت على الناس جميعا” ما كذبت عليكم .
أيها الناس :ـ ان الملك انسان مثلكم يخطيء ويصيب .. وما من احد” منكم الا وله في حياته اعمال حسنه واخرى سيئه .. وانني ما كنت لآستطيع ان اقف موقفي هذا بينكم ولا أقول كلمه مما اريد ان اقول لولا ان زعيمكم سمح لي بالوقوف والكلام لآكون شاهدا” بينكم وبين الملك .
وكل ما أستطيع ان اقوله .. ان زعيمكم رجل شريف .. وصادق لايكذب .
وأما الملك . فأنني كثيرا” ما كنت اراه بعيني يبكي لبكاء فقرائكم ويحزن
لحزنكم . وكان يبيت الليالي ساهرا” لاتغمض له عين خوفا” وعطفا” عليكم .

أحبائي:ـ انكم احببتم مليككم قبل اليوم حبا” جما.. وكان بالامس حين ينطق بالكلمه تدوي أياديكم وأيادي زعمائكم في التصفيق له دوي الرعد في افاق السماء .. فأصبح اليوم مهانا” ولايجد بينكم من يأبه له . ولا من يعطف عليه .
كيف تغيرت حالكم. وضللتم سبيلكم . وعميتم عن الحق . فلم تعودوا تميزوا بين الغث والطيب . وبين الجرائم والمكارم .
اخواني :ـ عفوا” . ان أخطأت بكلامي . أو أسأت لآحد منكم .واعلموا اني حزين عليكم .
فها أنتم قد عزلتم مليككم .. لكنكم لاتعرفون من سيأتي بعده . ولا عن تاريخه . اني اعتقد ان زعيمكم هذا ( اشار بأصبعه الى العطشان) شريف عظيم ولا أستطيع ان اسيء اليه .
وهنا سالت من عينيه بضع قطرات من الدموع . وكانت رساله منه الى الشعب .
فثار ضجيج الناس وبداء الهرج والفوضى بين افراد الشعب وهاهو احد الناس يقول لصاحبه:ـ
ــ اظن ان هذا الرجل يقول شيئا” معقولا”.
وأخر يقول لصاجبه :ـ انظر اليه فهو يبكي وينتحب.
أخر :ـ لقد آثر فيّ وأحزنني منظره .
آخر :ـ لقد حزنت عليه لانه يبكي رحمة” بنا.
آخر :ـ ليس هناك رجل اشرف من هذا الشيخ .

هنــــا . راح الشيخ ينظر الى القوم فرأى في ملامحهم مايدل على انهم اعجبوا بحديثه . ويتمنوا ان يطيل بخطبته . فأبتلع ريقه وواصل حديثه وقال:ـ
ــ قبل ان اودعكم . فمن كان منكم يملك دموعا” فليعدها لهذا الموقف فأنه موقف يحتاج الى كل ما في عيونكم من دموع .
اخواني . فلئن كتب على هذه الامه ان تختار في هذه اللجظه لها ملكا” ويكون رجلا” صالحا” ــ فلا بد ان تتجه عيونكم الى الرجل المنتج ـ وليس الى الرجل المتثائب الكسلان .
ايها القوم :ـ أنتم بحاجه الى شخص يعمل بجد وهدوء ونشاط . فأذا شعرتم انكم في حاجه اليّ وطلبتم مني ان أختار شخصا” من بينكم تنطبق عليه هذه الصفات فأني أقف حائرا” مترددا” ..
ولكنكم تستطيعون ان تعقدوا الآمال عليّ . وتلقون على كاهلي مصير البلاد لمدة خمسة اعوام على الاقل واني واثق بأننا معا” أنا وانتم سننهض في البلاد الى صفوف البلدان المتقدمه . فأن الذي أفسد بلادنا . انما هم هؤلاء أمثال صالح العطشان . والملك .
فكان يحشد بعضهم ضد بعض في قتال عنيف مستمر . لم تكن له نتيجه غير تحطيم البلاد والعباد .
وبـعـــــــــــد… فيا أهل البلد هل ترونني قد أخلصت لكم النصح …؟
الشعــــــب:ـ بصوت واحـــــد … نعـــم .. نعــــم .
ضج الشعب ضجيجا” عظيما” وهاجوا هياجا” كبيرا” . لقد نجح الشيخ بأيقاظ الفتنه . واستطاع ان يكسب ثقة الشعب .
واحد من الناس :ـ يالــــــــه من منظر محزن فظيع .
أخر :ـ يا لدناءة وسفاهة هذا الشعب اذا تركوا هذا الشيخ . ولم ينصبوه ملكا” عليهم .
اخر .. الانتقام .. الانتقام .. أمسكوا الملك والعطشان . ومزقوهم اربا” قبل ان يهربا.. .. لاتشفقوا عليهم وعلى من يساعدهم .
وتم القبض على الملك السابق وعلى العطشان واعوانه من قبل الشعب الهائج.
الشيخ .. مهلا” . مهلا” . أنا لا أريد ان اشعل بينكم فتنه عمياء ولا أريد منكم الانتقام لا من هذا ولا من هؤلاء . فأنني لاازال ارى انهم قوم شرفاء صادقين ولايكذبون .
الشعــــــــــب :ـ يالــــــه من رجل كريـــــم .
اخــــــــــــــــــر:ـ يالـــــــــه من رجل شريـــف.
اخـــــــــــــــــــر:ـ الحمد لله . لقد كفانا الشيخ شر القتال …
ثم خرجوا يتدفقوا في شوارع المملكه تدفق الامواج الثائره ـ

وهكذا استطاع الشيخ الجليل بسحر الكلام . وبموقف واحد ان يغتصب السلطه من الملك الغلبان وان يبعد صالح العطشان .
ووقف شعب طوخ كاللطوخ بين فرسان السياسه ورواد البيان . تقربهم كلمه. وتبعدهم اخرى . وتجذبهم دمعه . وتدفعهم ابتسامه . وتطير بعقولهم الخيالات طيران الرياح الهوجاء بذرات التراب .

في الحلقه القادمه .. وبعد ان نفذ الشيخ الجليل من تلك الاذان الصاغيه اللينه الى قلوب شعب طوخ الطيبه . وحين استحكم آمره . أخذ يلعب بهذا الشعب الطيب لعب الصبي بكرته .
فأتفق مع العطشان وسلمه حقيبة الماليه حتى يتسنى للاثنان من تحويل جزء من ثروة المملكه المرصوده الى منافع شخصيه . وليكف العطشان عن مشاغبة الملك . وسلم للملك السابق وظيفة مستشار . وتغيرت الادوار . وبقي الاستعمار .. وسميت الحكومه بحكومة الاخوه الاعوان ……
ودارت الايام ـ وظهر الاقطاع ـ وتفشى الفساد والمحسوبيه . وازدادت الرشوه والمديونيه . وتقلصت او فقدت السياحه . وقلت التجاره . واغلقت المحلات التجاريه والبوتيكات النسائيه . وقطعت الاتصالات ونهبت الثروات . والشعب نائم كسلان غير مدرك لما يدور جوله .
حتى ثار المختار . وعمل انقلاب ونجح به . لكن اهل طوخ مازالوا لطوخ .فنزل الاخوه الاعوان الى الشارع وعاثوا بالبلد خرابا” ودمارا” .
فهل يستطيع المختار وقف عنف الاخوه الاعوان . واخذ البلاد الى بر الامان ..
تابعوا ذلك في الحلقه القادمه …..ان شاء الله .

Advertisements

فكرة واحدة على ”الربيع العربي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s