الكابــــــــــــوس

الكابــــــــــــوس :ـــ

كان زوجي يقضي معطم وقته خلف صفحات الكتب . فتجده احيانا” يكون ماركسيا” يحمل لواء الاشتراكيه . وتارة” راسماليا” . وتارة” اخرى فيلسوفا” يردد نظريات الفلاسفه الملحدين .

وكان يعتقد انه اصبح مدرك لما يدور حوله ….

فكان اذا مل الكتاب جلس امام الشاشه يشاهد جحافل الموتي والقتلي . فها هي شعوب تموت جوعا” . وهاهي شعوب تموت من التخمه . وهاهو فلان طارت به قنبله فاردته قتيلا”, وهاهو فلان سقطت به طائره فمات .
كان يشعر باللامبالاه بالاحداث وبما يمر حوله ويرجع هذا الشعور بالاستسلام الى اعتقاده ان المكان ليس الا اسطوره . والزمان وهم . ونحن نحيا في الخيال .
ومع الايام .. امست .. تداهمه نوبات من القلق .. واصبحت.. تنتابه لحظات
يأس مرير تتحول معه الى حاله من التمرد .
وفي ذات ليله ـــ اصابته قشعريره سرت في جسده .. فألقى بنفسه بأعياء على الفراش .. وتكور تحت الغطاء .. وهمس :ــ
ــ هي الانفلونزا ــ ولابد لي من ان ازور احد الاطباء ليخلصني منها .
غلبه النعاس فنام .. وما هي الا لحظات حتي نهض مفزوعا” تنتفض اوصاله من الخوف .. ومسح العرق الذى اندى جبينه .. وبداء يلتفت يمينا” ويسارا” . وكانت نظراته مذهله ومقلقه . ثم عاد واستدرك …بعد ان رأى علامات الدهشه والحزن ترتسم على تقاسيمي…وبداء يقص عليه مارأه في منامه وقال والمراره تمتزج بذبذبات صوته :ــ
ــ سمعت صوتا” عذبا” يقول.
ــ كل نفس” ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامه .
فتسألت من اين يأتي هذا الصوت ؟
حاولت ان استيقظ لارى من اين ياتي ــ لكن رقبتي وعيناى لاتتحركان .
الصوت ـ يأيتها النفس المطمئنه ارجعي الى ربك راضية ” مرضيه وادخلي في عبادى وادخلي جنتي .
خيل الي حينها انني قد انتقلت من عالم الاحياء الى عالم الاموات . فهمست بسرى :ــ
ــ اذا” ــ المكان ليس اسطوره ــ والزمان ليس وهم ــ ونحن لا نحيا في الخيال .
الصوت ـ لقد اتيت الى المكان الذى لاعودة منه ـ لتلتحق بمن سبقوك .
فجأه التمع المكان من حولي ــ وخيل الي كأنني بعثت بعد الموت ليوم الحساب ــ ووقع بصري على اشخاص عيونهم كأنها اضواء مصابيح يدويه تقترب من بعيد ــ انهم يقتربون اكثر فأكثر .
ــ يا الهي . انهم يسيرون في الفراغ .في العدم .
حاولت جاهدا” ان اتعرف على احدهم . فلم ارى الا اشباح . وجوه بلا تعابير . اجساد هائمه دون وجهه . هياكل عظميه عبروا من امامي ثم اختفوا.
لم أيأس مازال بداخلي امل يداعب عقلي وفكري . بأن الاشياء وان بدت حقيقيه الا ان الزمن مايلبث ان يلتف حولها لتصبح الحقيقه خيال .. فقررت الهرب ــ فركضت ــ وركضت كثيرا” . لكني لم أشعر بالتعب ـ وقدماي لاتتحركان .
لن أستسلم ــ سأهرب من هذا الجب المظلم ـ وحينها لن تستطيع قوه على الارض من اللحاق بي ــ سأختبيْ داخل محاره بأعماق البحار ـ هاهو شعاع من الضوء كالخيوط .. اندفعت زحفا” داخل هذا الضوء . كل شيء فراغ .

الصوت ــ لقد خطوت خطوتك الاخيره نحو الفناء وانت تسير الان الى ارض العدم.

وبينما انا على هذه الحاله من الرعب والخوف .. واذ بصوت انفجار عنيف كأنه بركان ينبعث من باطن الارض .. اهتز له جسدى فأستيقضت …
وراح بعدها يتحسس جسمه . فوجده سليم . ..
فهمست له :ـ
ــ احمد الله سبحانه وتعالي الف مره ــ انك خرجت من هذا الكابوس حيا” .. ولا تجعل مشكلات الحيا’ العصريه وعجائب البشر تلهيك عن ذكر الله .. انك لاتدرى لعلى الله اراد بك خيرا” فمنحك قبل حلول اجلك فرصه من الزمان لتخلو فيها بنفسك وتراجع فيها فهرس اعمالك . فأن رأيت خيرا” اغتبطت وفرحت . وان رايت شرا” . استغفرت وتبت .

ومن تلك الحادثه .. عاد زوجي لرشده بعد ان تيقن ان العالم الذى كان في نظره نظريات وفلسفه . قد رفعت عنه الستاره فأذا هو اسود رهيب .
وبداء يدقق في عناوين الكتب التي يقراءها ولم تعد تهيبه كلمة فيلسوف . حكيم . عالم . فما هي الا القاب . وان حقائق الاشياء واسرار الكائنات قد أستأثر الله جل جلاله بعلمها ولم يمنح العباد منها الا القليل .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s