غربــــــــــــه

غربــــــــــــه 

خرجت العجوز وهي تسترجع ذاكرتها , عندما القى ابنها نظرته الاخيره على المنزل , وهو يستعد لركوب سيارة الاجره التي ستحمله الى المطار .

لم تكن تعلم ان هذه النظره ستكون هي النظره الاخيره فعلا”.

وعندما حظر الجثمان , كانت شحنة الحزن ثقيله على قلبها وكانت تريد ان تخفف منها . فتنهدت , ونظرت الى السماء , ثم قالت :ــ

ــ ضعوا الجثمان تحت الداليه , ثم استطردت حديثها:ـ

ــ لقد كانت اسعد لحظات حياته تلك التي كان يقضيها تحت الداليه صباحا” يشرب قهوته ويدخن سيجارته .
ووصلت حديثها واستطردت تقول والمراره تمتزج بذبذبات صوتها:ـ
ــ حين غادر القريه الى بلاد الغربه ــ اعجبته المدينه بانوارها وليلها الذى يشبه النهار , فكان يحدثني عن جمالها ومبانيها العاليه , وعادات اهلها , وعن متعة التجول بالاسواق دون رقيب اوحسيب . لقد بهرته الانوار .
عادت وكانها تذكرت شيئا” :
ــ لكن موقفه هذا مالبث ان تغير .
ففي السنه الثانيه غربه : اخذ يحدثني عن الملل الذى بداء يتسلل الى اعماقه ويخبرني انه يشعر بالحنين الى القريه . ولرائحة الجوافه واشجار الزيتون والرمان وزقزقة العصافير .
وفي السنه الثالثه : صار يتمني العوده لارض الوطن ـ لو احد يساعده في الحصول على عمل .
وفي السنه الرابعه : اخبرني ان زوجته تحثه على التحمل . وان البلد هنا لاتتحمل موظف جديد.
وفي السنه الخامسه : كان يكلمني وصوته مهزوز جدا” . وانه نقل الى المستشفى لاكثر من مره خلال العام .
بعدها انقطع اتصاله ولم يعد يكلمني . وعندما سألت صديقا” له قادما” من هناك . اخبرني ان وضعه الصحي سيء جدا” . وانه يرقد على سرير الشفاء بالمستشفى وزيارته ممنوعه
ـــــــــــــــــــــــــ
وعندما هم رجال القريه بحمله من تحت الداليه ليشيعوه الى مثواه الاخير.
صاحت والقت بنسفها على الجثمان , لطمت خديها , تعلقت بأقدام من حملوه , مزقت ملابسها من ناحية الصدر, عفرت رأسها بالتراب , وجلست في احدى الزوايا تنوح وتئن .
وقال قائل منهم :ـــ
ـــ إن سنين الغربه أورثتة السجائر, وزجاجات الخمر, والسهر في الحانات .
وقال اخر:ــــ
ـــ لقد كان يحرم نفسه من الطعام لايام , ومات بسبب سوء التغديه الذي تطور مع الوقت ليصبح سلا” يعتصر روحه مع كل سعال .
وقال ثالث :ـــ
ـــ إن سنين الغربه اورثته , الراس الكبير , والشعر الطويل , والوجه الاسود , والانف المفلطح والبراطم الثخينه والاذان الطوال .
واما زوجتة . فانطلقت مولوله تصرخ بجمل وتعويذات لم نفهم معناها, وبعد نصف ساعه هرع الى المنزل أخوها مع بعض النسوه ,وجلسن يتحدثن جميعيهن في نفس الوقت وكأن احدهن لم تكن تسمع للاخرى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد ثماني ايام اخرجت الزوجه أوراق كانت قد خبأتها منذ اعوام وقالت :ـــ
ـــ إنها أوراق تمليك البيت وانها هي التي ستحفظ لها حقها.
وما هي الا ساعات حتى عاد أخوها وبرفقته شرطي مع قرار من المحكمه , يقضي بأخراج العجوز من المنزل الذي ورثه الابن عن أبيه .
كانت اللحظه قاسيه عليها لكنها لم تغضب على ولدها فحملت صورته مع حزنها الداكن داخلها , ومضت تبحث عن مكان تسند اليه ظهرها , ووساده تضع عليها رأسها .
وتركت المنزل وهي تحوقل وتدعوا على زوجة ابنها بالويل والثبور .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s