خائنـــــــــه ..

خائنـــــــــه …..
قرأت في احد كتب التراث قصه قصها احد الكتاب . موضوعها ان حكيما” كان يحب زوجته حبا” ملك عليه قلبه وعقله . وكان يخاف اذا ما مات ان تتزوج زوجا” اخر من بعده . وكان كلما خلىّ مع زوجته بث لها سره . وشكا اليها مايساور قلبه من ذلك الهم .
وكانت الزوجه تحن عليه . وتعلله بمعسول الاماني . وتقسم له انها لن تفعل . وكان المسكين يفرح لهذا القسم. ويسكن الى ذلك الوعد . ثم لايلبث ان يعود الى هواجسه ووساوسه .
وفي احدى الليالي المقمره واثناء مروره بجانب مقبرة المدينه , لمح امرأه متحجبه جالسه امام قبر جديد , لم يجف ترابه بعد , وبيدها مروحه من الحرير الابيض مطرز بخيوط من الذهب . تحركها يمينا” ويسارا” لتجفف بها تراب القبر .فتعجب لشأنها وتقدم نحوها , وسألها عن سبب مكوثها بجانب القبر ..؟ وعن هذا الدفين ..؟ وعن هذا الشيْ الذي تفعله ..؟
فأبت ان تجيبه على اسئلته حتى تفرغ من شأنها . فجلس بقربها وتناول المروحه منها , وظل يساعدها في عملها حتى جف التراب . فحدثته ..أن هذا الدفين هو زوجها .. وانه مات منذ ثلاثة ايام .. وانها جالسه منذ الصباح الباكر مجلسها هذا لتجفف تراب قبره , وفاءا” بيمين كانت قد اقسمتها له في مرض موته بان لاتتزوج من غيره حتى يجف تراب قبره . وان هذه الليله هي ليلة زفافها بزوجها الثاني . ..
ووفاءا” لهذا الدفين الذي كان يحبها . ويحسن اليها. وخوفا” ان تخون عهده , جلست تجفف تراب قبره .
ثم قالت له .. هل لك ياسيدي ان تقبل هذه المروحه هديه مني اليك جزاءا” لك على حسن صنيعك ومساعدتك لي .. ؟
فتقبلها الرجل منها شاكرا” بعد ان هنأها بزواجها الجديد .. ثم انصرف ومشى في طريقه يحدث نفسه ويقول :ــ
ــ انه احبها . وكان يحسن اليها .. فلما مات جلست فوق قبره 
, لا لتبكيه .. ولا لتذكر عهده .. بل لتتحلل من يمين الوفاء التي اقسمتها له . 

وما زال يحدث نفسه بمثل هذا الحديث حتى وجد نفسه في منزله من حيث لايشعر , وراى زوجته ماثله امامه مرتاعه لمنظره المحزن . فقال لها ان امراه خائنه غادره اهدت اليّ هذه المروحه , فقبلتها منها لاهديها اليك . فأنت اولى بها مني .. واخذ يقص عليها قصة المرأه حتى انهاها . .. فغضبت زوجته وانتزعت المروحه من يده ومزقتها اربا” اربا” .. واخذت تسب تلك المراه وتشتمها . وتنعي عليها غدرها وخيانتها وسفالتها ودنائتها ثم قالت :ــ
ـ لايوجد امراه في العالم تعمل ما عملته تلك المرأه الخائنه .
فقال لها :ــ
ــ انك اقسمت لي آلا تتزوجي من بعدي . فهل توفين بعهدك ..؟
قالت :ــ
ــ نعم .. وليعذبني الله ان انا فعلت غير ما وعدت .
فأطمأن لقسمها وعاد الى هدوءه وسكونه . 
ومضى عام على ذلك .. فمرض الرجل مرضا” شديدا” . حتى اشرف على الموت . فدعا زوجته وذكرها بما عاهدته عليه .. وكررت وعدها له .. فما ان اقبل الليل . حتى فارق الحياه .. فأحتارت بما تفعله بهذه الساعه من الليل والناس نيام . فأرتأت ان يترك وحده في غرفته حتى تجرى مراسم دفنه في اليوم الثاني .. ثم خلت بنفسها في غرفتها تبكيه وتندبه . وألا بطارق يطرق الباب .. وحين فتحت .. والا بفتى من تلاميذ زوجها حضر الساعه من بلدته البعيده ليزور معلمه حينما سمع بخبر مرضه .. فأخبرته ان معلمه قد مات .. فلما سمع منها خبر موته ذعر ذعرا” شديدا”. وخر في مكانه صريعا” عند باب المنزل . فلم تدري ماتصنع في امره . فأدخلته الى غرفة الضيوف , حتى يستفيق , وعادت هي الى بكائها ونحيبها .. حتى صار الوقت منتصف الليل .. فقامت تتحامل على نفسها حتى وصلت الى غرفة الضيف .. فرأته نائم في سريره , والمصباح عند راسه فأقتربت منه . ونظرت في وجهه فرأت شابا” كالبدر في ليله مظلمه . وان نور المصباح الذى امامها ماهو الا قبس من نور وجه هذا الشاب الجميل المتلأليْ , وان انينه المنبعث من صدره كأنه نغمه موسيقيه محزنه …فحزنت على مرض الشاب حزنا” شديدا” انساها حزنها على زوجها المتوفي . فأخذت تعالجه . ولم تترك وسيله الا وتوسلت بها حتى استفاق . ونظر اليها وهي راكعه بجانب سريره نظرة الشكر والثناء.. ثم بداْ يقص عليها تاريخ حياته .. فعرفت انه فتى غريب في قومه لا أب له . ولا ام . ولا زوجه ولا اولاد.
وهنا اطرقت برأسها ساعه طويله, وهواجس النفس ونوازعها تلعب في خيالها . ثم رفعت رأسها وامسكت بيده وقالت له :ــ
ــ انك فقدت معلمك وانا فقدت زوجي . فأصبح همنا واحدا” . فهل لك ان تكون عونا” لي . وان اكون عونا” لك على هذا الدهر . الذي لم يترك لنا مساعدا” ولا معينا” . … فعلم الشاب ما تخبئه بنفسها .. فأبتسم ابتسامة حزن وألم . وقال لها :ــ
ــ انه كرم عظيم منك يا سيدتي . ان تحققي لي هذه الامنيه العظيمه . ولكن هذا المرض الذي يساورني ولا يكاد يفارقني , نغص عليّ حياتي . وأفسد عليّ معيشتي . وقد انذرني الطبيب بأقتراب ساعة اجلي ان لم تدركني رجمة الله . فأطلبي سعادتك عند غيري .. فأنت من بنات الحياه. وانا من ابناْ الموت . فقالت له :ــ
ــ انك ستعيش . وساعالجك ولو كلفني ذلك ان اقطع السبع بحور لاحضر لك دواؤك, فأخبرني ما هو داواؤك .
فقال:ــ
حدثني طبيبي ان شفائي , في أكل دماغ ميت ليومه . وما دام ذلك يعجزني , فلا دواء لي , ولا شفاْ ..
فأرتعدت وشحب لونها . وأخذت تفكر وتحدث نفسها طويلا” . 
ثم صاحت وقالت :ـ
ــ كن مطمئنا” , فدواؤك عندي .. وخرجت من الغرفه متسلله . حتى وصلت الى غرفة ادوات زوجها الزراعيه , فأخذت منها فأسا” , ثم مشت تختلس خطواتها اختلاسا” حتى وصلت الى غرفة الميت. ففتحت الباب بهدوء .. ودخلت حتى وقفت فوق رأس الميت , ورفعت الفأس لتضرب بها رأس زوجها الذي عاهدته الا تتزوج من بعده احدا” . ولم تكد تهوي بها على رأسه حتى رأت الميت فاتحا” عينيه ينظر اليها . فسقطت الفأس من يدها . وسمعت حركه من ورائها . فألتفتت , فرأت الضيف واقف يضحك .. ففهمت كل شيْ
وهنا تقدم نحوها زوجها وقال لها :ــ
ــ أليس المروحه في يد تلك المرأه أجمل من هذه الفأس في يدك…. ؟
آليست المرأه التي جففت تراب قبر زوجها بعد دفنه افضل من التي تكسر دماغه قبل نعيه …؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s