صدى الكلمــــــــــه

مررت ليلة امس بجارى الذى جدار داره ملاصق لجدار دارى ..وهو شاب في الثلاثين من عمره  ، اول مايلفت نظرك منه حين تراه . السلسله الذهبيه الغليظه التي تتدلى على ناحية صدره ، وشاربه الذي هذبت اطرافه بعنايه شديده . فرأيته منزويا” في  ركن من الاركان في احد المقاهي القريبه حزينا” . واضعا” رأسه بين كفيه يحمل هموم واحزان الدنيا كلها . فرثيت لحاله وسألته :ــ ماباله….؟ تردد قليلا” ثم أنشاء يحدثني ويقص علي قصته فقال :ــ

ـــ  قبل عشر سنين من الان تزوجت من ابنة خالي وهي مثالا” للطيبه والطاعه والحنان. ولسانها ليس بسليط ، وكلامها ليس وعيد ، وصوتها ليس شديد ، واذا حدثت لاتشير بالاصابع ، دؤوبه في عطائها ، نشيطه في عملها،  تصل الليل بالنهار وهي تعمل لاتفتر ولاتمل .  وحين تراني انظر اليها تتفانى في العمل اكثر واكثر لترضيني .

وفي الليل . وبعد رحله مع التعب كانت تتكور بجانبي تحت الغطاء . وتذهب في نوم عميق .تفوح منها ر ائحة الطبيخ , لكنا سعداء. هي سعيده بعالمها وبعملها وبيومها الذي تقضيه في المطبخ ، كأفضل سيدة بيت . وأنا سعيد بنشاطها واهتمامها وبرائحة العرق والبصل والثوم والزيت المحروق العالقه بملابسها.

لكن الذي حصل …. وبعد مرور هذه السنين  التي عشناها معا” بثبات ونبات وخلفنا صبيان وبنات ، أناروا لنا سماء بيتنا . تغيرت حالها  من حال الى حال . فصارت تعتني برشاقتها ، ومظهرها، وحسن هندامها ، وصارت تنفق نصف راتبي على المساحيق والمانيكير ، والبوديكير، وصالونات التجميل . وبدأت تعاندني ، وشرعت تخرج عن صمتها ، وتؤنبني .

والذي ييغيضني منها اكثر انها صارت تطلب مني ان اخلع جواربي بنفسي . وليتها وقفت عند هذا الحد ، بل صارت تطلب  مني ان اغسلها ، وليس هذا فقط . بل تجرأت وصارت تطلب مني ان اغسل صحني الذي اكلت منه ، وان اعلق بنطالي الذي اخلعه على الشماعه .

اما بقية بؤسي وشقاء نفسي ، حين نصحتها بأن تترك هذا العند المجذوب وهذا الجمال المكذوب  وتعود الى سابق عهدها بين الطناجر والملاعق والصحون ، ورائحة البصل والثوم. غضبت وثارت وتحولت في لحظه واحده من انسان ناطق الى وحش مفترس.  فلم يعرف القاموس كلمه او عبارة توبيخ الا وأسمعتني اياها..

ولمـــا رأيت أنني غير قادر على حكمها وكبح جماحها استخرجت الفلم الذي تحتفظ به ذاكرتي  بأن المرأه مخلوق تافه . تحب الرجل الذي يزجرها . ويؤنبها ، ويذلها ، فأشتعلت نفسي نارا”  لاتهداء  ولا ترحم . وأخذت توحي لي بما يجب ان افعله .

فأتخذت قراري فورا” ان اتزوج عليها امرأه اخرى لاكسر شوكتها وأراها ذليله تركع تحت قدمي . ورحت افتش عن المرأه الاخرى .فهيأ الله لي أبناء الحلال وأرشدوني الى جار لي  ابنته مؤدبه . جميله . نابغه في جامعتها ، وسيده في الفتيات   اللاتي في مثل سنها . فوقعت الفتاه في نفسي احسن موقع .  وقررت ان اخطبها من والدها . وحددنا موعدا” لزيارتهم في البيت . وقبل الموعد المحدد بيوم واحد فقط … وبعد ان ذاغ خبر خطبتي جائني صوت زوجتي حزينا”  ذليلا” .  تسألني عن مشكلتي …؟ فلم اجد بدا” من مصارحتها بما يجول بخاطري . فهمست لها وقلت :ــ

ــ ان  الرجل مثلي لايستطيع ان يكون رجلا” جتى يجد الزوجه المناسبه التي تقف خلفه وتبعث في نفسه روح الشجاعه ، والهمه ، وتغرس في نفسه الكبرياء والتبعيه ( بمعنى انه السيد وهي التابع له ) وقد كنتي فيما مضى تلك الزوجه . فمن الـــــذي غيــــر  حياتك ….؟ ومن أي باب نفذ شيطانه الى عقلك وقلبك وغيرك من الالف الى الياء …؟

فهمست بصوت منخفض خجول ، وقالت :ــ

ــ انت الذي غير حياتي ونفذ كلامه الى عقلي وقلبي ، وغيرني من الالف الى الياء . ألست انت القائل على صفحتك في الفيس بوك ان على الزوجه الصالحه ان تعتني برشاقتها، ونطافتها، وحسنى هندامها لتظفر بأعجاب وتقدير زوجها  . أليست هذه هي نصائحك لحواء . ألم تكتب لها وتقول احرصي كل الحرص فلاتجعلي عينه تقع منك على قبيح ولا يشم منك رائحة الطبيخ .. أليس هذا هو كلامك .

حينها وكأنك أحظرت دلوا” من الماء البارد ودلقته على رأسي الذي كان يغلو غلي الماء بالقدر . فبردت أعصابي وهدأت افكاري.وتنهدت . ثم رفعت يدي وأمسكت بطرف شاربي .. وانا اهمس بسري :ــ

ــ أشهد اني كنت من الاشقياء . ..! وعادت بي ذاكرتي الى الوراء . فتذكرت كم كانت تكون سعيده وهي تنفذ أوامري. فأنتابني شعور بالذنب بأني كنت قاسيا”  عليها ، وصرخت بأعلى صوتي وقلت لها :ــ

ــ انا اسف … لان كل ما كنت كتبته كان عبارات انشائيه للاستهلاك فقط . لم أكن أوأمن بها …!  ومنذ ذلك التاريخ أقامت    زوجتي علي حراسا” وجواسيس يراقبون تحركاتي لتعلم اين اذهب ومن اين أجئ.  وصارت تدقق بكل كلمه اكتبها أو أقراءها ولايحلو لها ان تفتح علي باب الحساب والعقاب على الروحات والجيات  الا   في اللحظه التي ابداء فيها تصفح هذا الاختراع الشيطاني المسمى فيس بوك .فلم أعد قادرا” لا على القراءه ولا  على الكتابه .

هذا ماقصه علي الشاب وقبل ان اودعه واعود ادراجي من حيث اتيت صارحته وقلت له :ــ

ــ يا للمعيشه النكده المريره التي جلبتها لنفسك واصبحت تهدد حياتك الزوجيه وتنذرها بالمجو والفناء .. لكن اعلم ايها الشاب بأنني عذرتك حين خالفت ضميرك . وجعلت عقلك الذي بداخل رأسك ريشه في مهب الريح

لقد عذرتك لانك لست بأول رجل على الارض لقي شرا” وكابد ضرا” من كتاباته ، ولآنك لست بأول رجل كتب مالايؤمن به  وانساق وراء الاهواء.

ولكنني … لا أعذرك بأي حال من الاحوال في زوجتك ام اطفالك التي أحبتك وكانت كالشمعه تحترق لتظئ لك حياتك انت وابنائك وأحسبها حين تجلس وحيده ويخلو لها وجه السماء ترفع يدها الى الاعلى لتدعو الله ان يرزقك …

Advertisements